في سنتي الجامعيّة الأولى، طرح أستاذ مادة «نظريّات إعلاميّة» سؤالًا عن حدث تاريخيّ سياسيّ، ولم يعرف أحد الإجابة. غضب وراح يصرخ: أنتم أميّون… الأميّ لا الّذي لا يجيد القراءة والكتابة، بل أنتم… اقرؤوا. تعلّموا. افهموا.
في محاضرة لاحقة، قالت زميلة إنّها لا تحبّ السّياسة، فسألها: لماذا إذًا تدرسين الصّحافة؟! ردّت: يمكنني العمل بالصّحافة الفنّيّة. فقال بأسلوبه اللّاذع: ربطة الخبز سياسة، سعرها سياسة. الحياة كلها سياسة. افهموا سياسة لتفهموا الحياة.
كلامه عبّد طريقًا: أريد فهم الحياة، سأقرأ سياسة، لن أكون أميّة. يمكنني امتلاك أجوبة أسئلته ورفع يدي لأجيب عنها.
هكذا، أمضيتُ سنواتي الجامعيّة أقرأ الصّحف والكتب وأشاهد نشرات الأخبار والوثائقيّات… أُضحي متفانيةً عندما يشغفني موضوع ما، فقرّرت: سأعمل في الصّحافة السّياسيّة. سأصير متخصّصة في شؤون «الشّرق الأوسط». سأتعلّم الفارسيّة والتّركيّة، وأدرس ماجستير ودكتوراه علوم سياسيّة في الجامعة اللّبنانيّة.
ثمّ تخرّجتُ، ورحت أنا و«شغفي» نبحث عن عمل. أين فرص العمل؟! ليست موجودة… الشّغفُ لا يُطعِمُ خبزًا. صدمة. أولى خطواتي في «الحياة».
في الماجستير، كان عندنا مقرّر عن الصحافة المتخصّصة. أحد أسئلة الاختبار كانت: بم ستتخصّص؟ مرّرت ناظريّ سريعًا: صحافة فنية، رياضيّة، اقتصاديّة… وصولًا إلى صحافة سياسيّة. هذا عالمي، وضعتُ «تيك» في الخانة.
في محاضرة لاحقة، ستقول الأستاذة: سؤالٌ لمن اختاروا الصحافة السياسية، أيّ عمل هو بالصّحافة السّياسيّة؟! اختاروا شيئا آخر غير السّياسة.
كلامها لم يكن غريبًا أو مستهجنًا. أنا تخرّجت فعلًا، ولكن أيّ عمل بالسّياسة؟ لتعتاش من السّياسة عليك أن تكون سياسيًّا أو «مُطبِّلًا» لسياسيّ.
شاء الله أن ينتشلني من «عالم السّياسة» ويرميني في عالم الأدب وصناعة الكتب ونشرها، العالم الّذي كان يشغفني في طفولتي…
الحياة جميلة في هذا العالم وهادئة… حططت رحالي، وقاطعت الأخبار الّتي كانت تتحدّث عن أوضاع اقتصاديّة سيّئة في لبنان ونسبة بطالة مخيفة وأحداث سياسيّة تتوالد من بعضها ولا تموت…
بعد أشهر، انتفض النّاسُ، نزلوا إلى الشّوارع، الأوضاع في البلد استنثائيّة. نعود إلى «متابعة» الأخبار من بعيد. لن نغوص مرّة ثانية.
تسارعت الأحداث. المصارف تغلق أبوابها، لا أموال، انخفاض قيمة العملة الوطنيّة مقابل الدولار… ما كنتُ قد ادّخرته من «عالم الأدب»، بدأ يفقد قيمته. لن «نتابع» السياسة وأخبارها، بل علينا أن نفهم الاقتصاد والنّقد والعملات، لم يحذّرنا الأستاذ!
غصت في الاقتصاد لعلّي أفهم «الحياة»، حياتي… لعلّي أُنقذُ شيئا ممّا ادّخرت… فهمتُ، لكن مدّخراتي باللّيرة كانت قد فقدت قيمتها، وما تبقّى منها صرفته كلّه في الشّهور القاسية اللّاحقة من التضخم والغلاء وانقطاع المواد الغذائية والأدوية وجائحة كورونا، ثمّ انفجار المرفأ.
ذلك الانهيار الّذي «لا قاع له»، أرجعه بعضهم إلى «الفساد»، وآخرون إلى «حصار أميركيّ»، وكنتُ من الّذين يؤيّدون الرّأي الثالث: «فساد وحصار وضغط». كان الأستاذ محقًّا، ربطة الخبز الّتي خضعت لـ«تقنين قاسٍ» من الأفران وارتفع سعرها، ليست إلّا سياسة. فما بالك بالملفّات الأكبر من ربطة الخبز؟!
بدأنا بالتّأقلم واستعادة شيء من «التّوازن»، ألسنا «لبنانيين» ونتميّز بـ«مرونة نفسية هائلة»؟! أليس «طائر الفينيق» قدرنا؟!
من جديد، قاطعت الأخبار والسّياسة، والاقتصاد ثالثهما… دعوني أركّز في الأدب واللّغة العربيّة… إنّه عالم هادئ وجميل…
ثمّ ذات سبتٍ، استيقظنا السّابعة صباحًا تقريبًا على صوت رصاص كثيف جدًّا. ما الأمر، من أين الرّصاص؟! الجواب: الرّصاص ابتهاجًا من المخيّم الفلسطينيّ في ضاحية بيروت الجنوبيّة بعمليّة ضخمة نفّذها الفلسطينيّون.
بدأت الحرب في غزّة، ثمّ في جنوب لبنان، وبعدها توسّعت إلى كلّ لبنان واليمن وإيران. لم نعد إلى «السياسة» و«متابعة» الأخبار، نحن الآن الخبر، السّياسة… في الحقيقية، هذه الحرب تحديدًا كانت، ولا تزال، ما دامت مستمرّة منذ سنتين، «اختبارًا على الأرض» لكلّ ما «تعلّمته».
بعد انتهاء حرب أيلول على لبنان، وعندما عدت إلى بيتي بعد تهجير دام شهرين تحت القصف والصّواريخ وطائرات الاستطلاع، عقدت العزم على التركيز في عملي و«الابتعاد» عن السّياسة وأخبارها.
غير أنّ صحّتي النّفسيّة، بعد كلّ ما مررت به، لم تمنحني فرصةً، فكان لزامًا عليّ أن أهتمّ بنفسي، وفي الطّريق، أقرأ في علم النفس والأعصاب والصدمات، وما بعد الصّدمة.
علم النّفس فرصة لـ«الهرب»… أليس كذلك؟ ليس تمامًا… الحروب، ومعها الأزمات، تُشكِّلُ النّاس وطبائعهم. تحدث جروحًا غائرة في دواخلهم يرثها الأبناء فالأحفاد. تحرّك حيواتهم بصمت ولؤم، دون أن يدري أحدٌ بوجودها.
نترك علم النّفس، ونذهبُ قليلًا إلى الأدب. عمّ سأكتبُ؟! عمّ يكتب الكاتبُ في بلاد كبلادنا أصلًا؟! ألم أتعلّم في سنتي الأولى في كلّيّة الآداب أنّ «الكاتب مرآة مجتمعه، يتأثّر ويؤثّر به»؟ هل أكتب عن انقطاع الماء والكهرباء؟ سياسة. البطالة وانعدام الفرص والأمان؟ سياسة. التسرب المدرسي وآثاره الكارثية في المجتمع؟ سياسة. تأخر الزواج والتفكك الأسري والطلاق؟ من قال إنهما ليسا سياسةً؟!
نترك الأدب، ونذهب إلى المهنة الّتي اخترتها مؤخّرًا: معلّمة لغة عربيّة للمغتربين اللبنانيين. مهنة رائعة، أليست كذلك؟ بلى! الأهالي يطمحون إلى الحفاظ على لغة أولادهم وثقافتهم وارتباطهم بوطنهم ودينهم. لا يريدونهم أن «يتأجنَبوا». يبتغونهم مطّلعين على حقيقة الظّلم الواقع على بلادهم، بلغتهم الأمّ… ولكن، لمَ هؤلاء تغرّبوا أصلًا؟! حبًّا بالغربة؟!
نترك المهنة، لو قرّرتُ اعتزال العالم والتزام البيت، أتزوّج وأنجب ولدًا وأتفرّغ لتربيته وتعليمه، في أيّ بلد سيولد ويترعرع هذا الطّفل؟! لبنان؟! في الحرب، وتحت وابل الصّواريخ، آليت على نفسي ألا أكون سببا في أن يعيش إنسان ما عشته ونعيشه، ألا يتحمل وزر الحروب والأزمات و«السّياسة»… وإن لم يكن لبنان، في أي بلد سيولد ويترعرع؟!
لست ممّن يؤيّدون إقحام الأطفال في السّياسة وما يرتبط بها بأيّ شكل أو لون من الأشكال والألوان… لكن الطّفل العربي مُقحَمٌ رغم أنوفنا. أذناه لن توفّرهما الصّواريخ، بل لن توفّره هو نفسه. قلق والديه يتسرّب إليه ويحكم قبضته على داخله ويأسره… وعلى السّيرة، الخبز الّذي يحرم منه الطفل في غزة، أليس «سياسة»؟!
لو كان الطّفل «محظوظًا» ووُلِد خارجًا… من قال إنّه بمنأى عن «السّياسة»؟! يولد الواحد منّا وفوق كتفَيْه ثقل أجيال ضاربة في التاريخ عاشت «الانتداب» والتقسيم والاستعمار والاحتلال والحروب والحصار والإفقار ونهب خيراتها وثرواتها، والتّجهيل ومحاولة كيّ وعيها وتشويهه، واغتيالها ثقافيًّا ولغويًّا ومعرفيًّا، وتحويلها إلى كائن إرهابيّ خشن فظّ.
السّياسة، كما تبدو لي الآن، قدرٌ محتومٌ على أمثالنا، ممّن وجدوا أنفسهم عنوةً في قبضة دول غربيّة مستكبرة، ينخرها شعور مرضيّ بالتفوّق والاستحقاق. تعيشُ (تقريبًا) ما سالمتها أو أذعنت لها، لكن لا شيء سيكون عائقًا أمام دهسك في حال رفعت رأسك وتفوّهت بحرفين: لا.
أستاذتي كانت محقّةً، السّياسة لا تطعم خبزًا بكرامةٍ. وأستاذي كان محقًّا، ربطة الخبز سياسة. سنأكلُ الخبز على أيّ حال، غير أنّ ما يميّز إنسانًا عن آخر فهمه كيف وصله هذا الخبز، وما الثّمن الّذي دفعه أو سيدفعه أولاده من بعده.