
كُتِبَت في 28 آب 2023
لم يمرَّ الوقتُ وأنا أغرزُ خمسًا وتسعين شمعةً في الكيك كما مرّت خمس وتسعون سنةً، بسرعة، كسهم هرب من قوسه.
رفعتُ يديَّ المتجعّدَتَيْن وصفقتُ بهما، لعلّ شيئًا من الضّجيج يقتلُ هدوءًا عمره عشرات السّنوات. صفّقتُ بحرارة أكثر، فالجدرانُ أذانٌ تسمعُ التّصفيق ولا ترى المصفّق.
قد تقول: جاء أولادها وأحبابها يحتفلون بعيدها. جملة ستُجبِرُ شفتَيَّ على التّبسّم قليلًا.
بعد أنفاسٍ عدّة انطفأت الشّمعات كلّها… خمس وتسعون سنة، أوّلها كنتُ ملفوفةً أبكي، وفي أواخرها على حافّة قبري، وبينهما انتظارُ مَن لم يأتِ قطّ، ولن يأتي أبدًا.
انتظرتُ طويلًا، أشياءَ كثيرةً وشخصًا واحدًا، هُناك على الكنبة البنفسجيّة نفسها، قربَ شجرة الياسمين الّتي زرعتها أمّي صبيّةً.
الأشياء لم تأتِ والشّخصُ أيضًا، وبقيتُ وحيدةً، لكنّني على الأقلّ صوّبتُ بوصلة الانتظار، انتظار شيءٍ يستحيل ألّا يأتي، ولو على عظام منخورة وأسنان مقلوعة.
على طاولتي خمسٌ وتسعون شمعةً مُطفأةً فوق كيك الحليب والفريز، وشوكةٌ. إلامَ تحتاجُ عجوز وحيدة مثلي غير شوكة؟
اقتلعتها كما غرزتُها، وكأنّ حياة المرء بعد تسعة عقود لا تدور إلّا حول الإمعان في اقتلاع ما غرزه جاهدًا.
حملتُ القالب والشّوكة وخرجتُ إلى الحديقة. اللّيلُ مُستحكِمٌ واللّمبات بالكاد قادرة على التّنفّس.
أرخيتُ نفسي على الدّرجة الثّالثة والأخيرة. هذا الدّرجُ المنقّطة بلاطته البيض بالأسود، أكرهه مذُ كنت صغيرةً… كلّ اللّيالي الّتي حلمتُ بتبليطه ببلاط أبيض عصريّ، ذهبت سدى.
اقتطعتُ نتفًا من الكيك بالشّوكة وقذفتها في فمي. طعم الفراولة الحلوة داعب لساني.
يتسرّبُ الهواء من بين أوراق هذه العريشة المرميّة على شبك حديديّ تحمله أربعة عواميد. أعرفُها جيّدًا مذ كنتُ شابّة، عريشة لم تحمل يومًا عنقود عنب، عاقر.
مرّت كل الأعوام ولم أستبدلها بأخرى خصبة، لا أدري لما، ربّما لأنّنا متشابهتان، وقدرنا التّجذّر في هذا البيت.
تركتُ قالب الحلوى ومعه الشّوكة على حافّة الدّرج، ونهضتُ لأتمشّى قليلًا في أرض كبيرة أورثني إيّاها والدي، ولا أدري من يرثها بعدي.
هُنا، أولاد يهرعون لمساعدة أختهم الّتي وقعت وشقّت جبينها، أحدهم ضمّها وآخر حاول مسح الدّم عن وجهها وغيره أسرع إلى والديه، والبقيّة هالهم المشهد فوقفوا حائرين أو باكين.
تحسّستُ جبيني بحثًا عن النّدبة. تجاعيدي السّمكية لم تستطع أن تمحو أثر الشّقّ، وكأنّ وقوعي كان أمس.
صحيح، أين إخوتي وأخواتي؟ أذكر أنّهم كانوا كثرًا، وكلّ واحد منهم أنجب على عددنا… ابتلعتهم ذاكرتي، لكنّهم لا يزالون في مكان ما في أعماقي. لا أذكرهم وأولادهم، لكنّني أشتاق إليهم.
أشتاقُ لشفاههم تقرأ الفاتحة عند قبري بعد موتي… أن تعيش بلا أطفال يعني لن تُذرف عليك دمعةٌ، ولن تُقرأ لروحك آيةٌ، ولن تُدْفَع لنفسك صدقةٌ.
تلك البركة، أردتُها أن تكون بيتًا لشجرة كبيرة معمّرة، تستظلُّ بفيئها الطّيور، لعلّها تترحّم عليّ وتقرأ لي آيات من القرآن، وتدعو لي بالمغفرة والرّحمة… لكنّها لا تزالُ بركةً من باطون لم يتغلّب عليه الزّمن.
عشتُ وحدي في جنّةٍ غنّاء أوجدها والدي وجدّي، فيما الآخرون عاشوا حولي عائلاتٍ سعيدةً، تتشاركُ أفواههم الملاعق والشّوك، وتتناوب أجسامهم على الفرش والبسط. لم تكن وحدتي في جنّتي عدلًا، ولا لمّتهم في أكواخ الأسمنت الآيلة إلى التّناثر.
هذه المساحة الشّاسعة من الأرض اليابسة أعشابها، تتمدّد منذ سنين قُدّام عينيّ.
حلمي كان أن أسمع قهقهة الأطفال تأتي من هُناك، وأيدي الرّجال تطرقُ الأبواب عائدة من يوم عمل متعب، وأصوات الأمّهات تتعالى بالأحرف والكلمات والأرقام مع صوت صغار يردّدونها.
لكان كلّ شيء أحلى لو وهبتُها إلى فقراء الحيّ، وعمّرتُ لهم فيها مبنى بدلًا من مبانيهم المهلهلة. كان مشروعًا في رأسي كجذور شجرة في التّراب، لكنّ زهورها لا تتفتّح أبدًا.
قعدتُ على غصنٍ متبقٍّ من شجرة توت قُتِلَت قبل أن أولد، ورحتُ أتأمّل منزلي الكبير. كان يحلو لأبي أن يروي كيف أنّه أوّل قصر بُنيَ في البلدِ. بنته سواعدُ أجداد هؤلاء الّذين يسكنون في الأبنية حولي لصالح جدّي… ضمّ القبر جدّي وأجدادهم، ولم يأخذ أحدهم معه شيئًا.
ما أعرفه عن المنزل من الخارج لا يشبه ما حقيقته الآن… عندما تعيشُ طويلًا في الدّاخل، لن يبقى في ذهنك غير الصّورة المحمّلة في ذهنك عن الخارج، إذا وجدت…
أحمد الله أنّ والدي وجدّي ماتا قبل أن يريا القصر الّذي كان مبعث فخر لهما كما أراه أنا الآن. جدرانه تشبه وجهي، أنا العجوز، إذما طرشته بكريمات الأساس والبودرة.
مهما تغطّت الحجارة بأنواع الأطلية، لن تكون عصيّة على ثلاثة: المطر والشّمس والزّمن. وكذا، مهمّا ردّت الجدر الشّاهقة السّميكة وابلَ المقذوفات والأخطاء، لن تعجز حشائش هشّة في شقّ طريقها خارجةً.
عدتُ إلى قالب الحلوى، قذفتُ في فمي قطعًا أخرى حلوة، ثمّ ندمتُ. كم عقدًا مرّ وأنا أندمُ في مثل هذا اليوم لشرائي قالب حلوى؟ لمَ عليّ أن أشتري قالبًا ما دامت المتاجر توفّر قطعًا صغيرة لمن يعيشون وحيدًا؟
أبقيتُ على القالب خارجًا لقطط الطّريق الجائعة، هذه طقوس سنويّة، وعدتُ إلى الدّاخل.
صندوقي مملوء بالمجوهرات والمال، وكذلك حسابي في البنك، وأملاك ورثتها ولم أتعب في جمعها يومًا، ومع ذلك لا يزال أثاث المنزل على حاله مُذ غيّرته أمّي عندما كان عمري عشرين سنةً.
لمَ لمْ يخطر في بالي أن أغيّره؟ خطر التّغيير نفسه في بالي ألف مرّة، لكنّ الأشياء لا تتغيّر ما لم تحدث أنت التّغيير، ولا تأتي بمفردها راقصةً على قدمَين ما لم تجرّها من عنقها.
أمّا الشّخصُ الّذي انتظرتهُ طويلًا ولم يأتِ… هُنا انتظرته، على هذه الكنبة البنفسجيّة الّتي كانت تجلسُ عليها جدّتي منتظرةً زوجها العائد مع الغنائم.
حلمتُ به ليل نهار، يُزيّنُ هذا المنزل، يرعى الأطفال، يعمل قاضيًا بينهم من غير أن يشنق نفسه. بحكمة ودراية يفضّ الخلاف، ثمّ يمسك بأيديهم ليذهبوا معًا إلى الحقول ويعملوا مع المساكين الّذين ينتظرون مغيب الشّمس لشراء كسرة خبز تعيد لهم شيئًا من الطّاقة الّتي صرفوها في سبيل امتلاء جيوب غيرهم بالمال.
هذا الشّخص هو نفسه سيمشي بين النّاس بفخر لأنّه حطّم تقليدًا في عائلته ينصّ صراحةً على قهر المساكين والارتفاع على عظامهم.
يُدعى إلى موائدهم واحتفالاتهم الّتي مُنِعوا منها طويلًا. يُسمَح له بأن يرتدي من أثوابهم الّتي استعادوا حقّ ارتدائها. يسمع أصواتهم يطالعون الكتب الّتي حُرِقَت ومُنِعت عنهم زمنًا. يُطوى الفصلُ الّذي وجد نفسه فيه شخصيّة مكروهةً بإرثٍ ضخم من الظّلم والقهر.
انتظرتُه كثيرًا، لكنّه لم يأتِ ويتلبّسني… لم أسعَ يومًا لأحصل على شيء. قد تبدو حقيقةً برّاقةً تنفعُ مادّة حسد… لكنّها خنجرٌ يسمّمُني، ويذكّرني وأنا على مشارف المئة: لو اجتمعت الدّنيا عند قدميك، كما حالي، لن تغدو حلمًا تريده بالتّمنّي. شمّر، حرّر، وغيّر.
وهكذا، بقيتُ هُنا، منبوذةً في جنّة فقدت بريقها مع الزّمن. لا هُم ثاروا وسحلوني وسرقوا ثروات آبائهم وأجدادهم، ولا أنا خرجتُ إليهم متخلّيةً ماضٍ سحيقٍ لأكون منهم.
مرّت السّنوات الّتي تشهد عليها شمعاتي. تغيّرت الدّنيا حولي، وأنا لم أتغيّر إلّا إلى الشّيخوخة… يكبر المرء والحكمة متأخّرةً تتغلغلُ فيه، فيعرفُ أنّ تصويب الانتظار عين العقل، وما لم يأتِ في دهر لن يتغيّر في الأسابيع المتبقّية…
سلختُ عنّي انتظار ما لا يأتِ بتسليمٍ. وعلى الكنبة البنفسجيّة المهترئة نفسها، أجلسُ، ومن الشّبّاك تطلّ عليّ شجرة التّنوب الّتي زرعتها جدّتي، وأنتظرُ.
أنتظرُ بشوق ما أعرفُ أنّه آتٍ لا محال… أن أجاورهم، أولئك الّذين دفنوني حيّةً بوزرهم. هم الوحيدون الّذين يقبلون انتمائي لهم، وسيمنحونني من تراب قبورهم بيتًا جديدًا. لا أنتظر فحسب، بل أتلهّف إلى ساعة سأغمضُ فيها عينيَّ إلى الأبد وأستيقظُ من كابوسِ إطفاء شمعات تزداد واحدةً كلّ سنة.
رائع أحس أنه من الصعب ان البلوغ الى التسعين وان ارى من حولي يموت
إعجابإعجاب
رائعه، فكرة الحياة الى مافوق التسعين تخيفني أن أرى شمس من حولي تغيب وانا باقيه، اللهم أحيني مادامت الحياة خيرا لي
إعجابإعجاب