تجارب

الحياكة: أكثر من خيوط تتشكّل بالصّنارة

ما آخر شيء تعلمته؟

كانت ليلة شتويّة، وكنت جالسةً على السّجّادة أنظر إلى أمّي وهي تحوك شالًا وقبّعة بلون الزّيتون. هاتان القطعتان كانتا لي، وسبب اختيارها للّون الزّيتيّ هو لون مريولي المدرسيّ وأنا في سنتي الابتدائيّة الأولى.

هذا آخر مشهد عن الحياكة يمكنُ لذاكرتي أن تلتقطه. وعلى ما أظنّ أنّه كان الدّافع لأحبّ، منذ سنٍّ صغيرة، تعلّم الحياكة بالصّنارتين.

لا تزال المرّات الّتي طلبتُ فيها من أمّي أن تعلّمني الحياكة ماثلة أمامي. كنت صغيرة جدًّا ولكنّ شيئًا ما كان يجذبني لحمل الصّنارتين وخلق الأشياء الصّوفيّة. وأذكر أيضًا أنّني سألتُ عمّتي تعليمي الحياكة، وربّما خالتي…

المحصّلة واحدة: أحدٌ لم يعلّمني… وهكذا نامت الرّغبة نومتها العميقة، لكنّها لحسن الحظّ لم تمت.

وبعد سنوات كثيرة، وأنا على أبواب ربع قرن من العيش هُنا، أيقظها سؤال طرحه عليّ أحد المُتابعين في إنستاغرام: مهارة تُحبّين تعلّمها؟ لا أدري كيف ولماذا، ولكنّني كتبتُ: الحياكة بالصّنارتين.

كان السّؤال في الصّيف… غفت الرّغبة تلك من جديد إلى أن تساقطت الأوراق الصّفر عن الشّجر: انظري، الطّقس بدأ يبرد، وأنتِ تريدين شيئًا غير الكتابة والقراءة واللّغة لتشغلي نفسك به بعد السّادسة مساءً، إنّه الوقت الأنسب لتحقيق حلم الطّفولة المعلّق.

وفي يوم، كنت في السّوق أتبضّع عندما رأيتُ متجرًا يعرض الصّنارات والصّوف. وقفتُ حائرة: صنارات بأشكال وأحجام كثيرة، وعلى كلّ واحدة رقم، والصّوف يشارك الصّنارة الأمر… ماذا أفعل وكيف أشتري ما يعينني على التّعلّم؟

حملتُ ما وجدته من صنّارات وأصواف (وبعضه لم أستعمله أصلًا)، دفعتُ ما دفعتُه، وعدتُ إلى البيتِ مسرعةً، وعلى لساني جملة واحدة جهّزتها لأمّي: لا تريدين تعليمي الحياكة؟! طيّب، سأتعلّمها بمفردي.

فتحتُ معجزة العصر، وبدأت بمشاهدة مقاطع الفيديو المخصّصة للمبتدئين… وكنتُ، بحقّ، كعربيّ يسمع نكاتًا تُلقى بالصّينيّة.

الفكرة الوحيدة الّتي كانت في رأسي: في البداية لن أفهم شيئًا، وسأخطئ ألف مرّة، وسأهدر الصّوف، ولن أنجح في حياكة أيّ شيء، ولكنْ كلّها أيّام ويداي ستُتقِنان المهمّة.

وفعلًا: لم يكن الأمر سهلًا… وما توقّعته حصل بالحرف… أخفقت مرّات، وفككتُ الصّوف لأعيد حياكته من جديد… نجحتُ في بدء الصّفّ الأوّل، صار العملُ أسهل قليلًا… تعلّمتُ أسهل «قطبة»، ثمّ جرّبت أشياء أصعب.

احتفظتُ بمحاولاتي الفاشلة، بل كنت فخورة بها. ومع أنّها «مخزية»، نشرتُها في فيسبوك متباهية، وأرسلتُها إلى عمّتي الماهرة لتراها…

شجّعتني عمّتي وقالت: الأشياء على أيّامكم أسهل بكثير، تفتحون يوتيوب وتتعلّمون كلّ شيء، وهذا بحدّ ذاته فرصة للتّعلّم… على أيّامنا، كنّا ننتظرُ أحدًا ليعلّمنا. أنا كنتُ أتلصّص على جارتي، الّتي رفضت تعليمي، وهي تشرب القهوة عندنا لأتعلّم «قطبة» جديدة. أراقبها وهي تعملُ وأحفظ الخطوات، وعندما تغادر أجرّب…

وهكذا تعلّمتُ حياكة الصّوف بالصّنارتين، وصنعت بنفسي لنفسي شالًا أسود حلوًا توشّحتُ به آخر أيّام الشّتويّة.

ولكنْ، ولأنّ «اثنان لا يشبعان، طالب علم وطالب مال»، لم تكفِني الصّنارتان… أريدُ كسر حاجز خوفي من: الصّنارة الواحدة.

الغريب في أمري، أنّ مَن تحدّثتُ معهم لأتعلّم منهم، قالوا لي إنّ الصّنارة أسهل، ومريحة لليد أكثر من الصّنارتين… أمّا أنا فكنتُ أستسهلُ الصّنارتين، وأتعبُ من الصّنارة الّتي لم أفهم منطقها.

ومع ذلك، كرّرتُ الأمر نفسه: سأحتاج إلى الوقت لأفهم العمليّة وأتعلّمها، ولكنّني الآن سأشمّر عن يديَّ وأغرقهما بتلك الأداة، حتّى لو لم أفلح إلّا في حياكة الصّفّ الأوّل.

والنّتيجة كما تتوقّع أيّها القارئ العزيز: لقد فهمت منطق الصّنارة الواحدة وتعلّمتُها، وحكتُ شالًا جديدًا فيه ثغرات ولكنّه مذهل.

ولو قدِّر لي أن أنصح تلك الفتاة الّتي تحبّ الخياطة والخرز وترغب في الحياكة، لقلتُ: كلّ الأشياء، في نهاية الأمر، تتحقّق. ستتعلّمين الحياكة… وبعدها، ستعمدين إلى السّعي في تعلّم شيء كنت تظنّينه مجرّد «موهبة» حُرِمتِ منها…

الرّسم، محطّتك المقبلة، والأكيد أنّك ستبرعين في ذلك… فقط حاولي واصبري.

رأيان حول “الحياكة: أكثر من خيوط تتشكّل بالصّنارة”

    1. (ضغطت بالخطأ على زر الإرسال قبيل استكمال تعليقي، لذا اعتذر عن الإطالة)
      .. لكن الخوف اعتراني صباحا، وضعفت همتي، فلم أذهب، وشعرت بعدها بنوع من جلد الذات، ولكن مقالك ألهمني، وسأعيد المحاولة من جديد.
      حظ موفق أستاذة يارة في كل ما تطمحين إليه.

      إعجاب

أضف تعليق