قصص قصيرة

حديقةُ أشواكٍ


ركلتْ كيس البذورِ المرميّ هناك منذ سنوات، فتحرّك قليلًا إلى الأمام محدثًا خشخشةَ فرحٍ… فرح مَن تحرّك أخيرًا بعد سبات عميق.


صخبٌ كثيرٌ أحدثته قبل مغادرتها، مثلما تفعلُ دائمًا. لا اكتراثٌ، مثلما يفعل دائمًا.


رمى نفسه، الّتي بات يشمئزُّ منها، أرضًا، وهمهمَ: غدًا تعود مثلما دائمًا.


ثقته كالأشواك المنتشرة في جسمه: مترسّخة. غدًا تعود الـ… الغبيّة… ما كان اسمها؟! نسيَه لشدّة ما ناداها بالغبيّة.


آخر مرّة قال: غدًا تعود، لم تعد… لا يتحدّث عن هذه، فهي دائمًا تحدث ضجيجًا ثمّ تعود جاثمةً… يتحدّث عن تلك. تلك الّتي لا يجرؤ، حتّى في قرارة نفسه، على تبديل اسمها إلى غبيّة. لا. لم تكن غبيّة. كانت جوريّة.


جوريّة الّتي معها تعلّم كيف يتخلّص من الأشواك. كانت أوّل من فَضَّ أمامه مخطوطة حياةٍ يزيّنها الورد، ومرّر إصبعه على سطور تعجّ بوئام غريب. مدّت يدها ناحية قلبه وسحبت شوكةً ثمّ ثانية فثالثة حتّى لم تتبقَّ أشواكٌ.


صار قلبه يشبه قلبها، متعلّقًا به، لكنّه لم يستطع أن يحافظ على قلبها، فحملته وانسحبت بسكون.


كان يومًا ربيعيًّا، والورد يتمايل مُذيعًا عبقه في الحدائق على وقع أغانٍ تتقنها العصافير. حشد شجاعته، وقطف كلّ ما زرعه من ورد وصنع لها تاجًا يهديها إيّاه تعويضًا عن أشياء مُزرية فعلها.


في الموعد نفسه حضرت إلى حديقته الّتي لم تغزُها الأشواك بعدُ كما الآن. الخيبة والأملُ يخوضان ملحمةً تتمظهر في ملامحها.


أراد لتاج الورد أن يكون اعتذارًا بدلًا من كلمات لا يقوى على نطقها. مدّ يديه عارضًا خلاصة شجاعته. أعجبها. ابتسمت، وكانت ابتسامتها أزهى من وردةٍ لا تنبتُ إلّا عند من حطّ الحظّ في حديقته.


وضع التّاج على رأسها. تبدّلت ملامحها، وأعلنتِ الخيبة انتصارًا كاسحًا، فيما الأمل تسربل بخيوط دم سالت من بين خصلات شعرها وامتزجت بدموعها.


رفعت تاج الورد وأرجعته إليه، ثمّ رحلت دون جلبة…


التّاج نفسه الّذي احتفظ به في أحسن خزانة في الحديقة، واستماتت «غبيّة» حتّى تلمسه… ولمّا فشلت، جمعت أشواك حديقته، وصنعت منها تاجًا لا تزيحُه لحظة، رغم شلّال الدّم والجراح والنّدوب.


هل كان اسمه غبيًّا؟ لا يظنّ. ربّما أسمته أمّه شوكًا. لا يذكر.
المشكلة لم تغب يومًا عن إدراكه، ولا الحلّ حتّى. ومع ذلك، لا يفهم لما وضع على رأسها تاج ورد دون تنظيفه من الأشواك.


هذه مشكلته. مُذ رآها أوّل مرّة، عصفت الحياة في داخله، ركودُه صيّرُه وجهُها بركانًا يريد زراعة الدّنيا وردًا لا مجرّد حديقته.


أوّل نظرة منها أربكت ضعفه. حديقته تعجّ بالأشواك، وكائن مثلها لا يليق به إلا الجنان. باعَ مقتنيات مفضّلة له، وبثمنها اشترى وردًا وبذورًا. كان فخورًا بعينَيْها تنظران إلى ورده، وبسلّتها تجيء فارغة وتعود مع ما يمنحها إيّاه.


لكنّ فخره كان يخرّ صريعًا أمام خوفه. كان هشًّا إزاء اعترافه بهشاشته أو انكشافها. عينا جوريّة اللتان رأتا الورد المستحدث ستريان عاجلًا أشواك قلبه. واجبه أن يبعدها قبل أن يُكشَف. لن يثنيها عن نثر وردها ما دامت هي مَن يجيءُ دون تصريح منه، وفي الوقت نفسه لن يوعز إليها أن تنثر شيئًا. لا مسؤوليّة عليه. فلتنثر وردها أو تجمعه وترحل.


لكنّها لم تبتعد، اقتحمت وحدتَه الّتي اختلطت بطباعه فما لاحظها، زرعت حديقته وردًا، وسحبت الأشواك من قلبه دون أن تؤلمه، وعلّمته كيف يمنع نموّها. كانت ساحرةً.


لم يزر حديقتها إلّا مرّتين. صعقه مشهد بعض الأشواك رغم بهاء الورد. رحيلها زلزل الأرض تحت بصيرته وأيقظها. تنبّه متأخّرًا إلى أنّه رأى أشواكًا منغرزة في يديها. كانت تتألّم بصمت، وهو ما عناه إلّا أنّها تشيل ألمه وتقذفه بعيدًا…


دكّت الأسئلة قلبه الّذي حرصت جوريّة أن يخلو من الأشواك: لمَ لمْ يمدّ يديه ويريّحها من الأشواك كما فعلت هي معه، لمَ لمْ يبادلها ويبادر؟ هل كان يزيد أشواكها بالورد غير المهذّب؟ لمَ لمْ ينزع الأشواك عن الورد قبل تقديمها؟ هل كان عليه تنظيف حديقتها من الأشواك؟ هل كانت تنتظرُ ذلك؟


لكن كيف يزيلُ الأشواك من حديقتها ويديها وقلبها وهو لم يتقن إلّا تربيتها؟!


كان غبيًّا. يعترفُ. لكن لا يجرؤ على وصمها بالغباء. كانت طيّبة أكثر ممّا يستأهلُ هو. استشرفت فيه وردًا، فخذلها بالأشواك. جوريّةٌ كانت وسط أرضه القاحلة.


الآن، حتّى فهم معنى الأغنية الّتي ألّفتها وكانت تُدندِنُها على مسامعه: الأشواك لا تحتاج إلى يدٍ تزرعها. الأشواك تنمو بمفردها وتستلزمها يدٌ شجاعة تزيلها. الورد لا ينمو ويبقى من تلقاء نفسه، يحتاج إلى يد حانية.


وهو… هو الغافل… حتّى البذور لم يودعها التراب. ضيّع كلّ المطر الّذي منحته إيّاه الغيوم.


ظنّ أنّه سينساها وتحلّ محلّها أخرى جالبةً وردها… «غبيّة» ترضى بأشواكه، تتذمّرُ لكنّها تبقّى في حديقته. فلتبقَ، وإن كان يقاوم شعوره بالاشمئزاز منها واحتقارها.


أخفق في اجتثاث جوريّة… هو أخفق في كلّ شيء. الإخفاق جزء من حمضه النّووي. استرق نظراتٍ إليها. لا بدّ أنّ الأشواك قد غلبت قلبها واستولت على حديقتها. لا بأس، يقبلُها منكسرةً. يتساويان، فتضيع هشاشته في تربة انكسارها. حديقته التي بذرتها هي وردًا وحياةً، أفضلُ حالًا من حديقتها. ستعود.
غير أنّ ما رآه، طرح الوهم من رأسه الغافل.


حديقتها المهندمةُ نسخةٌ من قلبها الحلو. وسلّتها الّتي كان يودعُها وردةً أو اثنتين بعدما أغرقها بدايةً، تطفحُ بوردٍ ملوّن يأسر المدى بعبقه. وجنتاها باتتا أحلى من الجوريّ، وعيناها أكثر إشراقًا من الشّمس. وأصابعها لا تكفكف الدّموع، بل مشغولة بصنع أوشحة من ورد بدلًا من إزالة أشواك قلبه.


أفعلت هذا كلّه بمفردها؟ لم يكتسِ سؤاله أيّ أهمّيّة. لكنّ السؤال الّذي قتله: أفعلَ أحدهم هذا لها؟! مَن يكون؟!


كان يعرفُ أنّ صفًّا من أصحاب الورد بانتظار إشارة منها ليغدقوا حمولتهم ويضاعفوها… لكنّ توقعاته لم تصل إلى مجرّد احتماليّة موافقتها. لقد كان هو وردة قلبها، فكيف غدا اللّا شيء؟!


غزت الأشواك قلبه مجدّدًا… ما عاد بإمكانه أن يتحرّك، لأنّ كلّ حركة تعني أشواكًا تنغرزُ بلؤم وتدميه. صار مؤذيًا حتّى لأصدقائه… لا أحد بقيَ معه إلّا «غبيّة». «غبيّة» الّتي ارتضت أشواكه فوقَ أشواكها لعلّه يقدّر يومًا ابتسامتها في وجهه بينما الدّم يسيل من جبينها، فما ازداد إلّا أشواكًا فوق أشواكها، وما ازدادت إلّا أشواكًا فوق أشواكها.


لم يكن غبيًّا فحسب، بل جبانًا. هو في طريق، والحياة الّتي يحلم بها في طريقٍ آخر.


لا شيء من جوريّة إلّا تاج الورد الّذي يحتفظُ به دون أن يتجرّأ على إزالة الأشواك الّتي تطوّق داخله. حدّق إليه مطوّلًا. ماذا لو انتبه إلى الأشواك وجنّب جوريّة الدّم والألم؟


كيس البذور الّذي ركلته «غبيّة» قبل مغادرتها، كان بإمكانه أن ينثره ويجهّز لجوريّة حديقة تحتضنها. كان بإمكانه، وهي إلى جانبه، إزالة قليل أشواكه الّتي غدت لاحقًا غابةً. ماذا يفعل الآن وهو الذي لم يسحب أشواكه عندما كان لحمه طريًّا، كيف سيجرؤ على اقتلاعها وقد انغرزت واستوثقت؟


ألمُ التّعايش مع أشواكه أخفّ وطأةً من إزالتها وردم ثقوب خلّفتها واستفحلت. لقد فات الأوان. هو جبُنَ، والوردُ، أخيرًا اعترف، للشّجعان.

أضف تعليق