تجارب

قصصي من الضّيعة

لا كاشف للإنسان وأثر الزّمن عليه كما العودة إلى الأمكنة الّتي شهدت تشكّلَه وساهمت فيه. ورحلتي «الطّويلة» نسبةً إلى السّنوات السّتّ الأخيرة، كانت خيرَ مَجلَبَةٍ لذكريات طفولتي، وأعظمَ دليل على أنّني «كبرت»، الحلم الّذي راودني طول عمري.

في حيٍّ مثل حيِّ جدّي، أبواب البيوت تُقدِّمُ استقالتها مع أولى خيوط النّور حتّى آخر اللّيل، ويصبح الدّاخل امتدادًا عفويًّا للخارج. وهو الوضعُ المثاليُّ للقطط الّتي تدخل خلسةً، تحديدًا عند وضع الطّعام، ثمّ تفرّ مع صرخة مزلزلة أو سلخةٍ من «المقشّة».

وما لم يغلق أحدهم الأبواب قبل النّوم، فإنّها تبقى مشرّعة. هُنا، كانت المهمّة منوطة بي… كلّ ليلةٍ، كنتُ أحرصُ على إغلاق الأبواب الثّلاثة وشبابيكها جيّدًا، ثمّ أحاول شدّها ناحيتي لأتأكّد أنّني أحكمت إغلاقها.

باب «الكوريدور» الزّهريّ كان مهمّتي الأعظم على الإطلاق، وكأنّ الدّنيا ستخرب ما لم أغلقه بنفسي. والسّبب؟ إحدى نافذتيه كانت مكسورة اليد، ومع مرور دهر، لم يصلحها أحد، إلى لحظتنا، فابتكرتُ طريقة لإغلاقه، ما دامت أبواب بيت جدّي كلّها بلا مفاتيح. شيءٌ غريبٌ آخر من غرائب بيت جدّو. ترى أين ذهبت المفاتيح؟! أمّا عن الطّريقة فكانت إدخال ملعقة بين النّافذتين بإحكام.

في الشّتاء، كانت الحياة أسهل، الأبواب والنّوافذ مغلقة لأنّ البرد قارص. أمّا في الصّيف، فشبابيك الأبواب تُشرَّع. البيت أرضيّ، ونحن أصلًا ندخل يدنا من الشّبّاك لنشدّ اليد فينفتح الباب… ماذا لو فعلها أحدٌ ما؟! كنت أخاف.

لم تكن الأبواب والشّبابيك خوفي الوحيد، كنت أخاف العقارب والأفاعي وأم أربعة وأربعين والكلاب الشّاردة، وعلى الأكيد: الصّراصير البنّيّة اللّعينة. فأبقى طول السّهرة، أو تحت غطائي «مسرسبة».

كنتُ طفلةً، وللأطفال مخاوفُ تندثرُ مع الوقت لتحلّ أخرى محلّها…

في بيت جدّو، عشتُ حرب تمّوز، وشاهدتُ أبوابه تتخلّع من شدّة الانفجار، الثّالثة فجرًا، أوّل ليلةٍ، ليتبيّن أنّها غارة في «الدوير»، معلنةً عن أوّل مجزرة في الحرب. ومع ذلك، وفي السّنوات اللّاحقة فشلت الحرب أن تضحي جزءًا من «الخوف»، محافظةً على أصالة مخاوفي.

غير أنّ زيارتي الأخيرة، كانت فعلًا كاشفةً. البنتُ تبدّلت مخاوفها… صحيح أنّني لم أنم في بيت جدّو، بل على مبعدة ثلاثين ثانية، لكن الشّبابيك كانت مشرّعة، والباب خشبيّ «هشّ» بمعايير تلك الطّفلة، وبركلةٍ يُخلَعُ… نمتُ على فراش مددته أرضًا، ولم أتذكّر نقطة «الحشرات» إلّا الآن… بل إنّ قطّة نطّت عليّ.

كبرت البنت، وفهمت لماذا كان «الكبار» لا يأبهون بالأبواب والنّوافذ، وصارت منهم… لسنا شيئًا حتّى يلتفت أحدهم ويدخل بيتنا، منسيّين فقراء مساكين، على الهامش، لا وزن لنا في بلدٍ يطحنُ أمثالَنا أبناءَ الأطراف والقرى النّائية عن بيروت.

حتّى النّوم وسط حقلٍ تحت زيتونة تقعُ جارةً لتينَتَيْنِ ما عاد مخيفًا، بل مريحًا… النّوم في بيوت من حجارة وحديد صار خوفًا مستجدًّا… ماذا لو قرّرت طائرة أن تفرِّغ عددًا من صواريخِها فوقنا، فنعيش أتعس تجربة تحت الرّكام؟ ماذا لو بدأت الطّائرات موجة غارات «أُولى»  تتبعها «ثانية» وربّما «ثالثة»؟ ماذا عن صوت طائرات الاستطلاع الّتي تنذر بغارات لا مفرّ منها؟

تضاءلت مخاوفُ البنتِ القديمةُ، وتضخّمت غيرها، مخاوف تُوصَف من وجهة نظرِ البنت الّتي تقتربُ من الثّلاثين، بـ«الحقيقيّة»… لا تريدُ البنتُ أن تعودَ صغيرةً، يعجبها أنّها كبرت، وهي تسعى إلى إدراك حياة لا مخاوف فيها، ولكن إن كان لا بدّ، فهي تفضّل الباب الزّهريّ، أم أربعة وأربعين، واللّصّ الّذي لن يدخل البيت أصلًا لأنّ لا شيء فيه ليسرقه… فمَن يعيدُ لها حياةً بلا طائرات حربيّة وأخرى زنّانة للاستطلاع وصواريخ حجمها أطنان، وموت ثقيل ويتم وقهر وجروح لا يُضمِّدُها الزّمن؟

أضف تعليق