يارا سعد – آب 2022
البداية يلفّها الضّباب، تمامًا مثل بدايات تشكُّل الأحداث العظيمة الآتية من غياهب التّاريخ.
أحدهم رجّح هذه الرّواية: كانت الحرب قد انتهت للتّوّ، والحياة بدأت تستعيد ملامحها، عندما لاحظ رجل يُدعى «بهجت»، وهو ليس باسمه الحقيقيّ، شيئًا لم يُعرَف اسمه حينها، بقيَ مثل ندبةٍ على وجوه النّاس. هذا الشّيء مجهول الاسم والصّفة أثار القلق، وربّما روح المسؤوليّة في قلب الرّجل، فشَرَعَ بتأسيس ما بات يُعرَفُ اليوم بـ«متحف الفكاهات» في الحيّ الّذي سيُعرَفُ لاحقًا وإلى الأبد باسم «حي القهقهة».
البدايات إذًا كثيرة. هذه أقربها إلى واقع الأمور… لكنّ النّهاية، ويا لَلأسف، واحدة: اختفاء بهجت واندثار المتحف.
بمعزلٍ عمّا آلت إليه الأمور، يُخبِرُني صديقٌ صحافيّ تتبّعَ بالبحثِ والاستقصاء أخبار المتحف بأنّ بهجت جمع ما يُقاربُ مليونَي فكاهة، لكنّ بداياته كانت مع مئات فقط، جمعها من ذاكرته، وعُرِضَت في أوّل افتتاح.
وُلِدَ بهجت بعد بدء الحرب بأربعين سنة. كان لجدّه حقل زيتون يجمعُ فيه الأحفاد بُعيد أوّل شتوة ليقطفوا ثمار الأشجار وليسمعوا منه طيب الكلام. كان الجدّ يردّد: «احفظوا عن هذا الرّجل الأمّيّ حكايات الأجداد وفكاهاتهم. سجّلوها في رؤوسكم وارووها لأبنائكم وبناتكم… لا يموتُ شعبٌ ما دام لسانه يروي الحكايات، ولا يَقحَلُ قلبٌ يرتوي بالفكاهات».
لم يشعر بهجت بعمق هذه الكلمات الّتي يحفظها عن ظهر قلب مُذ كان في العاشرة من عمره كما شعر في تلك اللّيلة. تناول ورقة مصفرّة وأخذ قلمًا عتيقًا. شطب بعض كلمات كانت مكتوبة سابقًا، وبدأ يستذكر فكاهات جدّه ويكتب… ممّا يُروى عن تلك اللّيلة أنّه مع أوّل فكاهة ابتسم… كتب الثّانية، فكبر الخطّ الّذي رسمته شفاهه على وجهه. كتب الثّالثة فبانت أسنانه… الرّابعة فالخامسة فالعاشرة… تفجّرت قهقهته في أرجاء غرفة النّوم الّتي يحتلّها ضوء الشّمعة المتراقص.
نام بهجت تلك اللّيلة وهو يُفكّر في وجوه أبناء البلاد الّتي اعتقلتها الحرب رغم أنّها أضحت من الماضي، وفي فكاهات جدّه الّتي بقيت غضّة مع تناوب صروف الدّهر عليها.
في الأيّام التّالية لليلة الإلهام والقهقهة، جاب بهجت البلاد يسأل أهلها عمّا يذكرونه من فكاهات ويُدوِّن. اشترى ما وجده من كتب ومجلّات وملصقات، وكدّسها في بيته الّذي ورثه عن أبويه.
أحد الكتب الّذي يتناول تأريخ الحرب يذكر أنّ بهجت كان ينامُ على سريره محشورًا بين الأوراق والقصّاصات بعد أن يسمع الجيران كلّهم قهقهته حتّى ساعات متأخّرة من اللّيل. يذكر الكتاب نفسه في موضع آخر، أنّ الجيران بدأوا يغادرون الحيّ واحدًا واحدًا بسبب قهقهته المتواصلة، حتّى لم يبقَ غيره في الحيّ. وإذا كان في الحدث بعض المبالغة فإنّه قد يُفيدُ في فهم لِما أُطلِقَ عليه اسم «حيّ القهقهة» بعدما عرفه النّاس لمئات السّنوات بـاسم «حيّ السّعي».
ولئن كان الكتاب الآنف ذكره يورد أنّ قهقهة بهجت كانت تتواصل حتّى ساعات متأخّرة، إلّا أنّ كتابًا آخر لمستشرقٍ مغمور، يذكر أنّ بهجت نفسه كان يبكي أحيانًا عند قراءة بعض الفكاهات، بل إنّ قلبه كان يتمزّق لأنّها كانت فكاهات جلبها معه العدوّ. فكاهات خالية من الظّرافة. تُشبهُ جالبها. مسامها مسامه، وملمسها ملمسه. متوحّشة، فجّة فظّة، لا تتقبّلها النّفس.
دخل غرفة واسعة، تُعادلُ غرفتين، لم يدخلها إلّا قليلًا في السّنوات الماضية. كانت الغرفة لأمّه تستقبل فيها زوّارها، وكانت أحسن غرفة في البيت، تفوح من كنباتها وكراسيها وستائرها رائحة الزّمن. أفرغ بهجت الغرفة من كلّ شيء، حتّى صارت خاوية عاريةً من أيّ ذكرى جميلة مثل ذاكرة أبناء البلاد.
اختار بهجت 217 فُكاهةً، وعلّقها في قصّاصات مكتوبة بخطّ جميل متقن على الجدران.
وأعلن الافتتاح…
مرّ اليوم الأوّل ولم يزره أحد. مرّ اليوم الثّاني ولم يزره أحد أيضًا. إنّه الأسبوع الثّالث ولم يزر المتحف إلّا 5 أشخاص وقطّة تبحث عمّا تأكله.
لا نعرفُ كيف كان وقع الحدث عليه صراحةً. لا نعرفُ كم آلمه الموضوع… لا نعرفُ إن نزلت صاعقة عليه فأُحبِطَ وأغلق المنزل على نفسه أيّامًا، أو أنّه لعن الحظَّ وتَجاهُلَ أهل البلاد له ولمحاولته في إعادة الضّحكة إلى وجوههم… ولا نعرفُ لمَ لمْ يأتِ النّاس إلى زيارة المتحف وقراءة الفكاهات والقهقهة… ولا نعرفُ أيضًا إن كانوا فعلًا تجاهلوا المتحف أم أنّ الأخبار وصلتنا مغلوطة… لكن ما نعرفه أنّ أشهر ممثّل كوميديّ في ذلك الوقت زار المتحف فتغيّر كلّ شيء…
سمع ذلك الممثل بأنّ رجلًا في البلاد جمع فكاهات الأجداد وعرضها في داره، وأنّ الدّار مفتوحة بالمجان للجميع. فقرّر كسر عزلته وزيارة المتحف لعلّ الضّحكة تعود إلى وجهه بعدما فقدها زمنًا طويلًا.
وفعلًا زار الممثّل المتحف. تنقّل من فكاهة إلى أخرى وصوت قهقهته يملأ الحيّ… عرف النّاس بالأمر، فهرعوا أفواجًا يزورون المتحف الّذي أضحك الكوميديّ البارع بعدما عُرف بعزوفه عن الضّحك.
قرأت منشورًا في فيسبوك يقول إنّه سمّي بحيّ القهقهة بعد زيارة الممثّل، ومن ثَمّ توافد أبناء البلاد والغرباء لقراءة الفكاهات والقهقهة، وهو احتمال منطقيّ ومقبول.
المؤسف هُنا، أنّ الفكاهات الّتي عُرِضَت سنوات وسنوات في ذلك المتحف لم يصلنا منها شيء، ولو واحدة! ولذلك حكاية أخرى، أرويها عندما يجيء وقتها.
المهمّ… تغيّرت حياة بهجت ونجح مشروعه أخيرًا! جاءه النّاس ليُشاهدوا هذا المكان الّذي تدخله مهمومًا وتخرجُ منه وأنت تقفز فرحًا.
قسّم بهجت وقته بما يخدم متحفه: في النّهار يستقبل الزّوّار، ويرافقهم في جولة يشرح خلالها تاريخ الفكاهات وكيف جمعها وعمّن سمعها، وكان غالبها عن جده الأمّيّ صاحب حقل الزّيتون.
أمّا في اللّيل فيُكملُ التّنقيب في الكتب والمجلّات عن المزيد من الفكاهات الّتي يُضيفُها إلى المتحف، أو يطّلع على أكوام الفكاهات الّتي يُحضِرها كلّ مارٍّ في كيس أو كرّاسٍ.
تخبرنا الكتب الّتي تناولت الحقبة تلك، أنّ المتحف نال شهرة واسعة، وجذب إليه الخلقَ من مشارق الأرض ومغاربها… حتّى مَن يجهلون لغة البلاد كانوا يدفعون المال للمترجمين ليطّلعوا على مضمون القصّاصات الورقيّة المعلّقة على الجدران أو المتدلّيّة من السّقف.
وصار كلّ وجيه من وجهاء البلاد يزور بهجت ويقول له: «ابني كتب هذه الفكاهة، علّقها في متحفك، وأنا على استعداد لفعل أيّ شيء». وهكذا، صار من لديه فكاهة يحلم بعرضها في متحف بهجت، أو بتوقيع مجموعته الفكاهيّة هُناك… وبهجت بطيب خاطرٍ يعرض كلّ شيء ولو لم يكن راضيًا، لأنّ المتحف للجميع على ما كان يقول.
كَثُرَتِ الأشغال وامتلأ يوم بهجت بالعمل. انضغط. تعب. أُرهِقَ، استنزفت طاقته وهو وحده لا معين له. وفي ليلة سيُطلَقُ عليها «ليلة القرار المشؤوم»، نوى إعادة النّظر بكثير ممّا عرضه لاحقًا، وعدم قبول الفكاهات ما لم تستوفِ شروطًا معيّنة… في تلك اللّيلة، قال جملته الّتي ذهبت مثلًا شهيرًا بين النّاس: «ما لا يُحرِّك شفتَيَّ ضحكًا لا يُعلَّق!».
أغلق بهجت متحفه شهرًا لم يرَهُ أحد خلاله خارج بيته. شحَّل بالفكاهات المعروضة، وانتقى بعناية مجموعة جديدة للافتتاحيّة الجديدة.
أعلن الافتتاح من جديد، ووقف النّاس طوابير ينتظرون دورهم بطول صبر للدّخول… أمّا عند الخروج، فكان تعليق واحد من الجميع: «الفكاهات مُذهلة على العادة، لكنّها قليلة جدًّا، وبعض الفكاهات القديمة الرّائعة اختفت!».
أبواب المتحف لم تُفتح طويلًا… ففي يوم، تناقل النّاس خبرًا مفاده أنّ المتحف مغلق إلى أجل غير مسمّىً، وأنّ صاحب المتحف اختفى! هذا الاختفاء ليس الاختفاء الّذي تحدّثنا عنه في المُقدِّمة… إنّه الاختفاء الأوّل.
ما وصلنا عن لسان بهجت نفسه أنّه ملَّ الفكاهات كلّها، وما عاد عثر على ما يُضحكه، وما لا يُحرِّك شفتيه لا يعلّق… هذه القاعدة! دبّ الذّعر في قلبه. خاف أن يفقد المتحف ألقه بعدما وصل ذروة تألّقه ونجاحه… فقرّر أن يخوض المحيطات ويعيش في الكهوف وينام في الجليد لعلّه يجد فكاهات تُضحكه في بلاد الآخرين فتستحقّ التّعليق والعرض…
بعض المؤرخّين يقول إنّه غاب ثلاثة مواسم زيتون، وبعضهم يدّعي غياب عشر سنوات، فيما الأكيد أنّ المتحف ظلّ مغلقًا طوال غيابه، ولكم أن تتخيّلوا حال أهالي البلاد الّذين تعلّقت قلوبهم بالمتحف وفكاهاته.
عادَ.
استبشر النّاس… قهقهوا قهقهة صاخبة لمجرّد أنّ الرّجل الّذي أدخل البهجة إلى قلوبهم قد عاد أخيرًا، وأنّ المتحف الّذي ربطهم بماضيهم قبل الحرب وعرّفهم إلى أنفسهم وأجدادهم، وأنعش الحياة داخلهم، سيُفتَحُ عن قريب.
لكنّ خطّة بهجت كانت مختلفة. خطّته الوحيدة تجلّت في أن اعتزل النّاس وتقوقع في بيته. لا يفتح الباب لطارقٍ، ولا يردّ سلام عابر يلوِّح من وراء النّافذة، ولا يسمع هُتاف أهالي قريته المجتمعين في حديقة داره. لقد انتقلت النّدبة الّتي بقيت بعد الحرب على وجوه النّاس إلى وجه بهجت وعشّشت في قلبه.
بهجت نفسه لم يكن راضيًا عمّا يجري معه، على عكس ما كان يظنّ النّاس. ودليلي على ذلك ما ورد في المصادر عن مراسلته سرًّا لشخصٍ كان السّبب وراء ذيوع شهرة المتحف.
إنّه ذلك الممثّل الّذي أضحكه متحف بهجت بعد سنوات طويلة من العبوس.
ولحسن حظّنا، فقط احتفظ ابن الممثّل الشّهير برسائل والده، ومن بينها رسالة بهجت، وهذا نصّها الحرفيّ:
بعد السّلام وطيب الأمنيات والأحلام، وبمختصر الكلام، قد يسرّني الاستفادة من تجربة العظام، في عودة السّرور والابتسام، إلى قلب بائس لا ينام… أمّا بعد، فقد قلتَ إنّ الابتسامة غادرتك في زمانِنا، وعصى الضّحك عليك بعدما برعت في إضحاكنا، ولم تعد إلى حيويّتك المشهودة إلّا عندما زرتنا في ديارنا، فقرأت فكاهاتنا وقهقهت لاختياراتنا… انصحنا واكسب الحسنات في مداواتنا.
جاء الرّدّ باسم ابن الممثّل بعنوان بيتهم ليشرّفهم بزيارة.
زار بهجت الجماعة، ووجد الممثّل الشّهير رجلًا غزاه العمر، معتلّ الصّحّة، ضعيف الذّاكرة. ولم يُعرَف عن الحديث الّذي دار بينهما إلّا ما كان يذكره الابن في جلساته. قال الممثّل في محاولة للإجابة عن أسئلة بهجت: «يا بُنيّ، اِضحك اليوم كثيرًا، فغدًا يغلو الضّحك…»، ثمّ قهقه كثيرًا بلا سبب… «انظُر يا بُنيّ… صحيحٌ أنّني لا أذكر الماضي الّذي تسألني عنه، لكنّني على الأقل أذكر أنّني لا أذكر، وهذا مضحك في حدّ ذاته»، وعاد إلى نوبة ضحكه.
ربّما يئس بهجت من وضعه، وملّ من مطالبة النّاس بإعادة فتح المتحف لتعود القهقهة إلى الحيّ… فأطلق مُسابقة ضجّت الدّنيا بالجائزة الّتي سيحصل عليها الفائز. لقد قرّر بهجت أنّه يحقّ لكلّ شخص إرسال فكاهة من تأليفه، وأنّه سيمنح الشّخص الّذي يحرّك شفتيه بالضّحك إدارة المتحف إلى الأبد!
يقول ابن التّالي أشهر مؤرخ في البلاد إنّ بهجت كان حريصًا على كتابة مذكّراته ومذكّرات متحفه، وأنّه احتفظ بالفكاهات الّتي وصلته من المُشاركين بخطوط أيديهم في غرفة خاصّة، لكنّ حربًّا أخرى حلّت على البلاد بعد عشرات السّنوات من افتتاح المتحف، فعاثت فسادًا في دار بهجت ومتحفه… وبعد الحرب، غزا جيشٌ البلاد وأحرق ما عثر عليه من كتب وأوراق وبينها فكاهات بهجت. أمّا الدّار، فعندما زرتها قبل سنة، وجدتها مهجورةً لا يدري بها أحد. جزء منها سقط، والجزء الآخر آيل للسّقوط، والأشجار والنّبات الأخضر واليابس يحوّطها من كلّ ميل…
من الدّاخل، البيت فارغٌ وكأنّ أحدًا لم يسكنه، وكأنّه لم يشهد ما شهده، وكأنّ جزءًا من التّاريخ لم يكن… أغراض منزل بهجت سُرِقَت للعلمِ، وربّما باعها السّارقون بمبالغ كبيرة أثرَتهم لولد الولد. بعضها لم يُعرَف مصيره إلى الآن، وبعضها الآخر يُمكنُ مشاهدته في متحف في أحد البلدان البعيدة عن بلاد بهجت. ولو كنتُ أملك ما يكفي من المال، لحجزت تذكرة وأقلعتُ بالطّائرة لألقي بنظرة عن قرب على تلك الآثار.
إذًا لا نعرفُ عن نصوص الفكاهات إلّا النّصّ الّذي قرأه بهجت بنفسه في حفل إعلان الفائز.
إنّها ليلة أخرى من اللّيالي الشّهيرة في تاريخ هذا المتحف. وقتها، وقف بهجت بوجهه غير المبتهج قبالة النّاس المتجمهرين في حديقة بيته. كان الهدوء مسيطرًا على الأجواء. الجميع يتطلّع إلى النّتيجة وإلى خاتمة سعيدة من أيّ نوع. رفع بهجت صوته قائلًا: «القاعدة كانت ولا تزال: ما لا يُحرِّك شفتَيَّ ضحكًا لا يُعلَّق! وفي حالتنا: لن يفوز… وللأسف، لم يفز أحدكم».
شهق النّاس شهقة واحدة، وعلت أصوات المعترضين. أكمل بهجت كلامه: «لكنّ نصًّا أثار اهتمامي، وسأقرأه عليكم».
ورد النّصّ في المصادر المعتبرة بصيغ مختلفة كلّها تصبّ في خانة واحدة، وهذا أشهرها:
«بعد حرب ضروس سرقت الفرح من قلوب أهل البلاد وحرمت وجوههم الضّحك والتّبسّم، جاء رجلٌ بمعجزة ليعيد الضّحك إليهم… أحبّه النّاس وأحبّوه، قهقه معهم وقهقهوا معه. حوّلوا حيّه إلى حيّ القهقهة لكثرة ما ضحك النّاس فيه… لقد غيّر حياة بلاد بأسرها، وأعاد الأمل المفقود إلى الأرواح… لكنّه بلحظة انقلب على أهل البلاد الّذين وثقوا به. رفع معاييره، وما عاد قادرًا على الضّحك لشدّة ما ضحك. قال له النّاس: ما لا يُضحكك لا يزال يُضحكنا. لم يعجبه. لم يحد عن رأيه. ما عاد شيء في هذا العالم قادرًا على إضحاكه… حرم النّاس الضّحك. استطاع رجل واحد أن يفعل بسنوات قليلة ما فعله العدوّ بعشرات السّنوات… لكنّ جريمته أكبر وأفظع، لأنّ العدوَ عدوٌّ ومهمّته اللّعينة تتلخّص في قتل أيّ بذرة سعادة، أمّا ذلك الرّجل فقد حرمنا الضّحك بعدما منحنا إيّاه بسخاء».
التّاريخ لا يخبرنا أنّ النّاس ضحكوا، لكنّه يؤكّد أنّهم صفّقوا من غير أن يطلب أحد منهم التّصفيق، وكأنّهم انتزعوا انتصارًا من مخالب عدوّ ذكيّ شرس.
من بين الجمهور خرجت قهقهة لم يُسمع مثلها من قبل. لا أحد يعرفُ هذه القهقهة مثلما يعرفها صاحب متحف الفكاهات. إنّه ذلك الممثل الّذي أضحكه متحف بهجت بعد سنوات طويلة من العبوس.
تغيّر شكل الرّجل كثيرًا. نزل وزنه، وبانت عظامه، ورقّ جلده… سأله النّاس، وأغلب الظّنّ أنّ القليل استطاعوا التّعرّف عليه: «لمَ تضحك يا عمّ؟!». فقال مُقهقهًا: «لقد قال فكاهة لم أسمع مثلها»، فسألوه: «ماذا قال بالضّبط؟!»، فأجاب: «ما أذكره أنّه قال فكاهة، لكنّني لا أذكر مضمونها». قهقه النّاس معه ما عدا بهجت… بتقديري، لم يقهقه أحد لأنّ الرّجل كان ظريفًا، بل لأنّ شيئًا في داخلهم كان يتوق إلى القهقهة… شيئًا قُتِل داخل بهجت على يدي شيء مجهول الاسم والصّفة.
صاحبة الفكاهة المشاركة قالت بعدما أتمّ الجمعُ القهقهة: «إذًا أنا الفائزة!». ردّ بهجت حازمًا: «طبعًا لا… نصّك كان مُفيدًا بعض الشّيء… أعترف. لكنّه لم يكن مُضحكًا».
صرخت الامرأة: «وماذا عن هذه القهقهة كلّها، ألا تُعير اعتبارًا لآراء النّاس يا بهجت؟!».
قاطع الحديثَ شابٌ من أبناء الحيّ: «ما رأيكم أن نقرأ الفكاهات المشاركة، فنكون نحن لجنة التّحكيم؟!».
وافق النّاس، وطالبوا بهجت بقراءة الفكاهات بصوت مرتفع. المفاجأة أنّه قرأها على ما هو مشهور في حكاية هذا المتحف… فأخذ النّاس يقهقهون ويقهقهون… حتّى ذهب البعض إلى أنّ البلاد في تلك اللّيلة لم تنم.
أنهى بهجت قراءة الفكاهات كلّها من دون أن تحرّك واحدة شفتيه ولو نتفة. ومن جديد خرج الممثّل العجوز بصوته: «هلّ يُمكنكم أن تعيدوا الفكاهات؟!». فسألوه: «لماذا؟!». فأجاب: «ما أذكره هو أنّه قال الكثير من الفكاهات، وأنّ خاصرتي تؤلمني لشدّة ما قهقهت، لكنّني لا أذكر عمّا كانت الفكاهات، وأحتاج إلى القهقهة حالًا».
كانت هذه اللّيلة الشّهيرة آخر ليلة يُشاهد أهل البلاد فيها بهجت… بعدها، ظلّ باب الدّار ومتحفه مُغلَقيْن إلى أن جاءهما الغزاة والأعداء، وفُقِدَ أثر بهجت، أو ما يدلّ عليه، إلى الأبد…