نُشِرَ بتاريخ: 24 نيسان 2025
انتشرت في مواقع التّواصل الاجتماعيّ رواية أميركيّة، فاشتريتها وقرأتها في جلستين أو ثلاث. لاحقا تحوّلت إلى فيلم سينمائيّ… لم أتفاعل يومها مع الأحداث، قلت إنها دراما أخرى، وندمت لأنني قرأتها، لكنني الآن أتذكرها بشدّة، فيما أحاول فهم كيف يتصرّف الإنسان، لماذا يتعلق بأشياء غير صحية، ولا يستطيع التخلص منها مع أنه يعرف أنها غير صحية، ما علاقة طفولته بذلك؟ ما دور أمّه أو أبيه؟
الرواية تتحدث عن بنت عاشت طفولتها ترى أباها يعنّف أمّها التي تسامحه في كل مرة… تغضب البنت من أمها وتنتقد تصرفاتها، وتطلب منها ألا تسامحه، بل أن تفضحه ليخسر عمله…
البطلة تتعرّف لاحقًا إلى رجل يحبّها، يموت في حبّها، يستميتُ لينال منها إشارة، تقع في حبّه، تسير العلاقة إلى أن… يضربها… تسامحه… يضربها ثانية… تسامحه… هو جرّاح، يمكنها أن تفضحه في عمله، لكنها لا تفعل، وتسامحه…
تتذكّر أمّها… لقد تزوّجت رجلًا يشبه أباها، وها هي الآن تتصرّف مثل أمها التي أمضت عمرها تلومها، دون أن تفهم لماذا سامحت مَن عنّفها ورفضت إيذاءه رغم ما فعله بها.
في النهاية، تُنجِب البطلة بنتًا، فيطلب زوجها أن تسامحه ليكملا حياتهما، فتقول له: لو إنّ بنتك التي بين يديك الآن جاءت إليك وقالت إن زوجها يعاملها كما تعاملني، وطلبت نصيحتك، ماذا ستقول لها؟ فيقول: ألّا تبقى معه لحظة… وهكذا يتطلقان ويحافظان على علاقة جيدة ليربيّا ابنتهما… وهكذا تكون البطلة قد «كسرت الحلقة»، لذلك اسم الرّواية: IT ENDS WITH US ️
هذه القصّة كانت عابرة، لكنّني الآن صرت أفهم ما حصل… البطلة كانت تكره أباها، لكنها اعتادت مشاعر القلق والخوف والمسامحة ومنح الفرصة، عقلها لا يعرف حبًّا آخر أو حياة أخرى، عقلها لا يقترب من الحياة الآمنة والمشاعر الصحية لأنه لم يختبرها، والإنسان عدوّ ما يجهل… فحصل معها كلّ ما حصل مع والدتها… الأشياء نفسها، نفسها، نفسها، تتكرّر طول الوقت!
هي أعادت علاقتها مع والدها، وحاولت أن تثبت لنفسها الطفلة أن بإمكانها تغييره عن طريق علاقتها مع زوجها… الطّفلة التي كانتها لا تزال تريد أن تصلح أباها، أن يحبها، أن يكون جيدا، فارتبطت بمثله، ولو من دون وعيها، لتغيّر شيئًا، وهكذا عاد كلّ شيء مرة جديدة.
هذا يطلقون عليه «جرح الأب»، وله شرح طويل وعلاج…
يوجد «جرح الأم»…
رجلٌ راشد ناجح جيّد يعيشُ في صراع مع نفسه… متعلّق بامرأة غاضبة دومًا، هو يظنّ أنّه حبٌّ، إلى درجة أنه نسيَ نفسه وما يحبّ وذاب فيها إرضاءً لها… يريد أن يبتعد لأنّها لا تجلب له إلّا وجع الرأس، لكنه عاجز… حبل خفيٌّ يربطه بها…
هذا الحبل هو طفولته وعلاقته مع أمّه… لقد كانت أمه امرأة قويّة حدّ التسلّط، غاضبة طول الوقت، لا تلتفت له إلا عندما يحاول إرضاءها… تمنحه الحبّ حينها فقط… الطفل في داخله تعلّم أنّه لن ينال الحبّ ما لم يراضِ تلك الامرأة الغاضبة المزمجرة… إرضاؤها ولو على حسابه الوسيلة الوحيدة لنيل القبول والحب…
يكبر، وهذه المشاعر لا تزال داخله، فتنعكس في علاقاته… لا يعرف أنّ ما يعيشه سامٌّ جدًّا، وأنّ تعلّقه لا علاقة له بالحب الصحي.
الطفل في داخله يكاد يقتل نفسه لينال الحبّ لكي يشبع حاجته إلى حنان أمه وعطفها ورضاها… وهذا النمط سيظلّ يتكرّر معه، دائمًا… لأنّه في المقام الأول ينجذب إلى من تعيد له الألم والصدمة، ليعيشها من جديد، لتتمثّل أمامه مرّة أخرى، لأنها مألوفة، لأن الطفل يريد أمّه، يريد المشاعر منها. ️
هذا الرجل، في أول احتكاك مع نفسه وداخله، سيكتشف أنّ ما ظنّه حبّا، لم يكن كذلك، كان تعلّقًا مرضيًّا يلزمه العلاج.
كيف يكون العلاج؟ هذا ما يقال عنه علاج الطفل الدّاخليّ… البعض يمكنه أن يواجه ماضيه ويهدّئ الطفل بنفسه، والبعض الآخر لا يستطيع إلا مع مختصّ… وفي الحالتين، الالتقاء بذلك الطّفل سيكون مؤلمًا، كلّ الذكريات الأليمة ستتمثّل أمامه، قد يبكي وينهار… ولكن، بعدما يطمئن الطفل الصغير إلى أن الخطأ لم يكن خطأه، وأنّ أمّه (أو أباه) لم تكن بحالة جيدة، وأنه صار كبيرا ومسؤولا عن نفسه وسعادته، الأشياء ستبدأ بالتّغيّر… تركيزه سيكون في المكان الصحيح، في عمله ونجاحه وسلامه الداخلي… في عيش علاقة حب صحية وسليمة، دون خوف وتردد أو هرب من الشعور بالأمان الحقيقي الذي لم يعشه يوما…
حتّى هذه الأمّ تعاني جرحًا عميقًا، وإلّا لا يوجد سبب لتكون دائمًا «قويّة» أو غاضبة ومتسلّطة. هي ربّما لم تنل الحبّ، وأو كان ممنوعًا عليها أن تضعف وتبكي مثل الجميع… بل إنّ التّظاهر بفائض القوّة والسّيطرة والتّحكّم والتّسلّط، محاولة لإخفاء ضعفها وهشاشتها النّفسيّة…
الاعتراف بالضّعف والإفصاح عن المشاعر والتّعب والوهن ومحاولة علاج الألم هو القوّة، وهي ليست قويّة… ولأنّها لم تعالج نفسها وتتخلّص من مشكلاتها نقلت المعاناة إلى ابنها، وابنها إن لم يعمل على نفسه ليصير إنسانًا سليمًا سينقل المعاناة لأولاده وهكذا، إلى أن يتجرّأ أحدهم ويتحمّل المسؤوليّة ويقول: هذا كلّه يجب أن يقف، الآن…
أنا لست معالجة نفسية، ولست متخصصة ولا أنوي أن أفعلها، ولكن هذا ما فهمته مما أقرؤه حاليا، وهي أفكار مبعثرة، تجعلني أرى الناس حولي أطفالا صغارا لم ينالوا الحب والاهتمام كما يجب. ليس بالضرورة لأنّ والديهما أو أحدهما كان شريرا، لكن لأن هذا ما كان يعرفه… أشعر بأن ألغازا كثيرة في رأسي بدأت تُحَلّ… لا يوجد تصرّف لا سبب له، كثير مما نفعله ونكره أننا نفعله يعود إلى تلك الأيّام، أيام الطفولة، إلى الطفل الصغير المجروح داخلنا، الذي يحتاج إلى أن يعرف أنه بخير الآن… ️
إذا شعرتم أنّكم مررتم بأشياء صعبة، حاولوا أن تتعمقوا داخل أنفسكم حتى تعثروا على ذلك الطفل الخائف… سيكون مؤلما، ويحتاج إلى جرأة هائلة، لكن أن تكمل حياتك بسلام داخلي، وأن تنقذ أطفالك ونفسك وشريكك وأصدقاءك مما لم يستطع أن ينقذك منه والداك، يستحقّ عناء التجربة… الذكاء الاصطناعي يمكنه المساعدة… والمعالجون النفسيون في كل مكان… ليس خطأ الطّفل أنّه مرّ بظروف سيئة لا تزال تثقله وهو رجل (أو امرأة)، لكنها مسؤوليته أن يضمّد جروحه ويشفي نفسه ويضعها على الدّرب الصحيح، درب صحي… هو يستحقّ الحبّ والاهتمام، وحياته تستحق إنسانا سليما نفسيا قادرا على مجابهة الكون.
هذه مجموعة من النّصوص الّتي بدأتُ كتابتها في نيسان 2025 في محاولة لاستكشاف نفسي وفهمها. الرّحلة لا تزال مستمرّة، وخلالها تعلّمت الكثير، وتغيّرت رؤيتي لأشياء كثيرة. كلّ ما كتبته يُعبّر عن فهمي لحظة الكتابة، وليس بالضّرورة أن يكون صحيحًا أو سليمًا أو مكتملًا. أنا لست متخصّصة في علم النّفس أو علم الأعصاب أو غيرهما. أنا إنسانة أوّلًا، وكاتبة ثانية، أحاول فهم العالم بالأدوات الّتي أجيدُها: الملاحظة والتأمّل والتّحليل والكتابة. لا شيء ممّا كتبته يصلح للتّعميم، وهو محصور بما رأيته. يُرجى قراءة هذه النّصوص بعين النّقد لا التّسليم. وأرجو لكم قراءة ممتعة ورحلة مثمرة.