تجارب

العيد كما عرفته طفلةً: «مرجوحة وزُحلَيْطة وفرقاع وجزدان»

طريق تمّ الأسد في القرية 2012 BlackBerry

السّاعة المربّعة في بيت جدّو في القرية تُشيرُ إلى العاشرة صباحًا. نرتدي ملابس العيد الّتي نتحرّق لها، نقبّلُ جدّو ونعيّده ويُعيّدُنا، ثمّ نجلسُ منتظرين انضمام بقيّة العائلة إلينا، الصّغار لنلعب ونستعرض ملابسنا، والكبار لنتسلّم العيديّة والحلويات.

في الخارج، أصوات المفرقعات النّاريّة تمتزِجُ برائحة القهوة (ما كنت أشربها بعد) الّتي أحضرتها خالتي، مع المعجّنات والخبز الطّازج واللّبنة، لزوم عطلة العيد… مع صوت المفرقعات نعرفُ أنّ العيد انطلقَ، وقد آن أوان أن نتسكّع في أزقّة القرية وشوارعها.

وفي عائلتي، نُقسَمُ فريقَيْن: فريق البنات وفريق الصّبيان.

أنا وفريقي نتجمهرُ على الطّريق، وفي أيدينا «الجزادين» الّتي تستعدُّ لاحتواء العيديّة. صحيحٌ أنّنا كنّا نخجلُ عندما ينادينا أحدهم ويمدّ يده بالمال، ولكنّها «العيديّة»، والعيديّة تُنتَظَرُ ولو على استحياء ولا تُرفَض… الجيّد في العائلات الكبيرة، أنّ حصيلة العيد تحافظُ على ارتفاعها يومين أو ثلاثة.

أمّا الفريق الثّاني، فريق الصّبيان، فيكتفي بجيب السّراويل «الجينز» للعيديّة الّتي تذهبُ أصلًا لدكّان الحاجّة جارتنا: مُسدّس وخرز أصفر ومفرقعات ناريّة. وظيفة المُسدّس أن يوجَّهَ ناحية الفريق الأوّل، والمفرقعات أن «تنقّزنا» (بالفصحى: تُرعِبُنا) وتسدّ آذاننا ليلَ نهارَ.

العيدُ في طفولتي كان أرجوحة…

ولمّا كنتُ أنتمي إلى جيلِ ما قبل اجتياح الإنترنت، فالعيدُ في طفولتي كان «أرجوحة» و«زُحلَيْطة» وكيسَ نيلون أسودَ فيه مشتريات و«فرقاع توم»… وهذا كلّه مميّز، لكنّ الأميز أنّنا «نصرفُ» على أنفسِنا من «مالنا الخاصّ».

وأراجيح القرية موجودة في كلّ الأيّام والمناسبات، غير أنّ رهجتها في العيد من كوكب آخر… ندفعُ لصاحب «المراجيح» العملة النّقديّة الفضّيّةَ أو النّحاسيّةَ (نعم حزرتم: الميتنوخمسين أو الخمسميّة في عصرهما) لنتأرجح نصف ساعة. والمشهد حاضر بقوّة في رأسي:

رقعة عشبيّة صغيرة محاطة بالأشجار، فيها أرجوحة بمقعدَين يتّسع كلّ مقعد لأربعة أطفال، وهيكل حديديّ تتدلّى منه أربعة مقاعد يتّسع كلّ واحد لطفل، وخشبة عُلِّقَت أطرافها الأربعة بجنازير (كنتُ أخافُ منها، ولم أجرّبها يومًا). والرّقعة مملوءة بأطفال يرتدون ملابس جديدة وينتعلون أحذية لطيفة، في أيدي البنات حقائب أنيقة، وفي أيدي الصّبيان مسدّسات وأسلحة بلاستيكيّة كما ذكرت.

لكنّنا لم نكن نعرفُ أحدًا منهم ولا نرغب في التّعرّف إليهم. كنّا خمس فتيات متقوقعات جئنَ من المدينة، نجد في أيّ إنسان يُماثِلُنا عمرًا عدوًا محتملًا، ننقضّ عليه، نحمّمه بتعليقاتنا ويُحمِّمُنا بتعليقاته، وتنطلقُ ألستنا في حملة «شتائم طفوليّة غير بذيئة».

نحملُ أنفسنا، ونعود إلى حيّ جدّنا بعد معركة حامية. الطّريقُ المزفّت يتقيّأ خرزًا أصفرَ وبرتقاليًّا، وطرفاه مزروعان أشجارًا أغصانها البنّيّة وأوراقها الزّيتيّة طبّعت زرقة السّماء، وفي خلفيّة المشهد دائمًا صوت المفرقعات النّاريّة من حيّنا وأحياء جيراننا.

ماما كانت تحذّرنا من شراء المفرقعات في العيد لسبَبيْن، الأوّل: عندنا ما يكفي من العقل لكي نتجنّب «حرق» مالنا، والثّاني: المفرقعات تحتاجُ إلى قدّاحة، وقد تنفجرُ بين أيدينا لا سمح الله فنتضرّر. ومع ذلك كنّا خفيةً نشتري المفرقعات الّتي لا تحتاج إلى النّار، أو نوكل مهمّة «التّفجير» بالقدّاحة للفريق الثّاني، أي الصّبيان، وكان أحبَّ طلب إلى قلبهم.

لا نزال في الطّريق رغم أنّني استطردتُ قليلًا… نمرّ قرب بيت جيراننا، العائلة كلّها متحلّقة، نسلّم عليهم، ونركض إلى حيّ جدّو.

إنّه العيد، يعني المزيد من الحلويات والعيديّة.

تستقبلنا أمّهاتنا، هيّا سنذهب إلى بيت بعض الأقرباء… نتشاور، نحن الخمسة (الفريق الأوّل)، ونقرّر المضي في الزّيارة. لا لأنّنا مُغرَمون بأفراد العائلة الممتدّة، بل لأنّه العيد، يعني المزيد من «الضّيافة»، حلويات كثيرة وعيديّة أكثر.

تذوب شمسُ اليوم الأوّل في البحر… كان يومًا مملوءًا بالمعمول (التّمر والجوز والفستق) والشّوكولا والنّوغا (الحلو الغريب الصّلب الّذي لا يحبّه أحد) والبونبون… بطوننا كبيرة، أسناننا يلزمها عبوة معجون وثلاث فراشٍ، وملابسنا كالزّفتِ… لكنّ شيئًا من ذلك لا يعنينا، ففي عرفنا علينا أن نشتريَ «قطعتَين» للعيد، الأولى لليوم الأوّل وهي الأبهظ والأجمل، والثّانية لليوم المُقبِل.

اليوم الثّاني تكملةً لليوم الأوّل، وإن كان بزخمٍ أقلّ… نرتدي ملابسنا، نشتري مأكولات غير صحّيّة ونذهبُ إلى الجبل (من حظّنا أنّ في قريتنا جبلًا) أو البركة الكبيرة أو النّبع… نلعبُ ونقفز ونغنّي ونتشاجرُ في ما بيننا، أو بصفتنا فريقًا أوّلَ مع الفريق الثّاني.

هذا ما تسعفني الذّاكرة لالتقاطه الآن، وأنا في شقّتي في المدينة، أتجهّز لإكمال المشاريع القديمة والبدء بمشاريع جديدة، وستوريات الواتساب عندي تعجّ بصور الجيل الجديد في العائلة، وقد تحوّلت أشيائي القابعة في الماضي إلى حاضرهم: حلويات وعيديّة وإكسسوارات وحقائب برّاقة وأراجيح ومسدّسات ومفرقعات ناريّة وزيارة إلى بيت جدّو وتيتا من المدينة أو القرى المجاورة.

أمّا عيد المدينة؟ ها! لم أختبره طفلةً، ولكنّني صاحبته في السّنوات الثّلاث الماضية، وهو من لوازم أن تصبح «كبيرًا»… تجربة لا تُذكَرُ بالخير، ومع ذلك لا بأس بتدوينها، ربّما غدًا، إن سمحت لي الطّفلة الّتي أغرقها الحنين إلى قريةٍ ما بالكتابة عن المدينة.

أضف تعليق