
كانت الأرض تُسخّنُ ملابسنا وتبعثُ الحرارة إلى جلودنا عندما رأيناه مُقبلًا. هيئته هيئة رجل تقريبًا. ينتأ من رأسه قرنان كقبّعة. عيناه واسعتان مُلتهبتان، ووجهه الصّغير يُشبه وجه دمية.
وضع أبي حبّة تمر منزوعة النّوى في فمه: «يستحيلُ أن يكون من قريتنا».
من دون إذن أو تحيّة، تربّع أرضًا إلى جانبنا، وأشار إلى قطيعه بالمكوث. لم يعكّر سُؤدَدِ الصّمت إلّا صوت نقرة.
أخرج الرّجل من حقيبته شيئًا مستطيل الشّكل: «وصلني تعليقٌ من أفنان. يقول إنّ مظهري اليوم مُذهل». قرّب ذلك الشّيء منّا، وقال: «صباحًا، نشرتُ هذه الصّورة، وكتبتُ تحتها: صباح جديد، مهمّة جديدة، وحياة جديدة أحبّتي».
أبعد أبي الشّيء بطرف يده: «دعك من هذا الهراء… أخبِرني كيف حصلت على قطيعك الهائل؟».
قهقه: «إنّه ربع قطيعي. لديّ أضعاف ما ترى».
صاح أبي: «كيف؟!».
رفع الرّجل يده: «هذا».
قال أبي: «ما هذا؟».
قال الرّجل الغريب: «تلفون».
صرخ أبي: «تلي… ماذا؟!».
*****
كنّا قد شارفنا على نسيان ذلك اللّقاء، عندما عدنا والتقيناه على أحد سفوح الجبل.
اقترب منّا مُلقيًا التّحيّة، وقال لأبي: «قطيعك لا يزال كما هو، فيما قطيعي ازداد بالآلاف… يا مسكين». أجاب أبي كمن يواسي نفسه: «غدًا تلدُ هذه الحيوانات، وتكثر».
فقال الرّجل: «جيّد، عيش يا كديش لينبت الحشيش. لقد أخبرتك بحلٍّ سريعٍ وسهلٍ ليلد قطيعك قطيعًا بحاله أسبوعيًّا».
لم يقتنع والدي: «كان جدّ جدّي يقول إنّ ما يأتِ بسرعة يذهب بسرعة. وفي قريتنا مثل يقول: اِبقَ في رحم أمّك تسعة شهور وعِش، ولا تلد ابن ثلاثة فتمت…».
قهقه الرّجل، وأخرج من حقيبته المصنوعة من الجلد والعاج وأوراق الأشجار فطيرة شكلها لافت. تناول تلك القطعة المستطيلة، وصار يُحرّكها في كلّ اتّجاه حول فطيرته. نظرتُ إلى والدي، فوشوشني: «لعلّه يُبارك طعامه بتعويذة أو ما شابه. عقائد النّاس مُختلفة يا بُنيّ».
على ما يبدو سمعنا، قال: «ألتقطُ صورًا لشطيرتي، لأنشرها في المرعى غرام».
سألته: «وعاديّ أن يشمّوا رائحة فطيرتك الّتي تُشبهُ رائحة خروف مات قبل أيّام ولم يلتفت أحد إلى جثّته؟».
قال وهو لا يزال مُنشغلًا بفطيرته: «لم نصل إلى هذه المرحلة من التّطوّر. أنا نفسي لن أؤمن بالتّكنولوجيا، ما لم تكن قادرًا على مشاركة الرّائحة الّتي تشمّها عبر هاتفك».
توقّف عن تحويط فطيرته بالقطعة، وقال: «الآن أنشرها، وأكتب أنّ طعمها لذيذ، وأطلب من المتابعين أن يشتروا مثلها».
برم ناحية قطيعه، وقال لأبي: «كلّهم الآن لديهم مثل فطيرتي، وسيصوّرونها ويكتبون كما كتبت».
ثمّ أشار بيده إلى البعيد: «انظرا كيف سيزداد القطيع. ركّزا. أصغيا». وفعلًا بدأ القطيع بالازدياد، ومع كلّ واحد فطيرة يحوّطها بالقطعة البلاستيكيّة بدلًا من التهامها.
تعجّب والدي: «يا للهول… هذا ليس بفعل إنسان… أساحر أنت أم شيطان أم ماذا؟!». حمل عصاه قافزًا يُريدُ ضرب الرّجل غريب الأطوار.
ظلّ الرّجل محتفظًا برباطة جأشه. رمى فطيرته وقال لأبي: «أنت راعٍ موهوب، وعليك بناء قطيعك الافتراضيّ. إن رغبت أبيعك هاتفًا بسعر بخس».
هتف أبي: «لا أريد».
فقال له الرّجل: «جرّب ماذا ستخسر؟!».
*****
مع غروب الشّمس في كلّ يوم، نعود إلى المنزل وأصوات قطيعنا تسلّينا وتملأ الدّنيا من حولنا أمنًا وفرحًا. عنداري وشنتورة يركضان وراء بعضهما، ومنداحا يُمأمئ بلا هَوادة. أمّا بقيّة القطيع فيسير حينًا ويتوقّف حينًا لأكل حشائش الأرض، مُصدرًا صوتًا أعذب من صوت انهمار مطر بعد قحط سنتين.
لكنّ الصّوت اليوم خفت. التّراب كئيب تحت دعساتنا، وقطيعنا صامت كمن يمشي في جنازة… وحدها القطعة البلاستيكيّة البغيضة تلك لم تنفكّ عن إصدار أصوات تصمّ الأذان، وإخراج ألوان تعمي الأعين.
لقد استبدل أبي نصف قطيعنا، بقطعة مُستطيلة تُشبه صابونة حمّام يابسة. خسرنا ناسي، وسينا، وماني، ولوسا، وهانتا، وشنتورة، وعازي، وحلمينا، وعنداري، ومندارس، وسارعينا… خسرناهم إلى الأبد.
كنّا نتقدّم إلى منزلنا صامتَيْن… النّدمُ يقتلُ أبي، والتّعجّب يؤرقُ قلبي… سألته: «ألا يُمكنك أن تتراجع فتُرجع القطيع وتردّ القطعة البلاستيكيّة؟».
وقبل أن تتسنّى له الإجابة الّتي كنتُ أتوقّع أن تكون «سأفعل»، زلّت قدم أبي، ومن حيثُ لا أدري انزلق وابتلعته حفرة فمها ضيّق.
وقعت السّماء دفعة واحدة على رأسي. استلقيتُ على بطني، ومددت رأسي إلى الحفرة، ورحتُ أنادي أبي. لا مجيب. رفعتُ صوتي. لا صدى. إنّها حفرة عميقة قاعها لا يُرى.
ماذا أفعلُ؟ جذبتني الحيرة إلى جوفها. هل أرمي نفسي في الحفرة وراءه أو أذهبُ إلى القرية لأنادي النّاس، ومن ينتبه إلى نصف قطيعي؟
جريتُ نحو القرية: «يا رجال ساعدونا… لقد وقع أبي. وقع أبي. أبي وقع في حفرة عميقة… لقد وقع أبي. لقد زلّت قدم أبي. لقد زلّ أبي…».
تجمهر أهل القرية حول الحفرة، وفي رأس كلّ واحد سؤال إجابته ستبقى غامضة مدى العمر: «من أين خُلِقت هذه الحفرة العجيبة؟!».
صرخت أمّي: «ليس وقت الأسئلة». ربطتني بالحبل الّذي أحضره جارنا أبو مشتانلو، ونزلت.
كلّما استبشرتُ بوصولي إلى القاع هوى القاع منّي، حتّى بلغ الحبل منتهاه، وأنا معلّق في وسط حَنجرة هذه الحفرة الوليدة.
*****
عاد الجميعُ إلى حياته بعد يومين من الحادثة مُعلنين: أبو هاشلو مات وجثّته مفقودة إلى الأبد.
شخصان فقط اضطرّا إلى الاستسلام أخيرًا، بعدما ظلّا يتحلّقان في كلّ صباح حول الحفرة يُناديان لأبي هاشلو من دون جواب. هذان الشّخصان هُما: أنا وأمّي.
وفي يومٍ، كنتُ أضعُ على جسمي بعض الملابس، عندما تناهى إلى سمعي صوت طرقات على باب البيت. قمتُ وفتحت. «إنّه أبو هاشلو… إنّه أبي». أغلقتُ الباب في وجهه، وأسرعتُ إلى أّمّي أخبرها، فتذكّرتُ أنّ أبي هو الطّارق. ركضتُ وفتحتُ الباب مُعتذرًا، وأسرعتُ إلى أمّي، فتذكّرتُ أنّني لم أحضن أبي. عدتُ إليه، ورفعتُ صوتي مُناديًا أمّي.
«أين كنت يا أبي؟!» سألتُه وسألَتْه أمّي. فأجاب: «قصّة طويلة، لا عليكما. المهمّ أنّني هُنا».
لم نصدِّق أنا وأمّي أنّ أبي عاد. سِرنا في الحقول أنا وهي بِفمين مُغلقين وعيون جاحظة. أوصدنا الباب خلف ذلك الكابوس. ما تبّقى من القطيع كان صامتًا، حتّى منداحا لم يفتح فمه بمأمأة.
كسر الصّمت مرورنا من مكان الحفرة الّتي ظهرت فجأة في ذلك اليوم. قلتُ لأمّي: «ألم يقع أبي هُنا؟!». وضعت يدها على فمها وقالت: «ماذا يحصل؟! هل يعقل أنّنا أضعنا طريق العودة إلى المنزل؟». فقلت: «لا. هذه طريقنا إلى البيت». لقد اختفت الحفرة، ولن نعرف في يومٍ كيف ظهرت ومتى اختفت.
أدارت أمّي المفتاح في القفل، فُفتِح الباب. قالت لي: «على ما يبدو عندنا ضيوف، أبوك يتحدّث مع أحد ما. هم أهل القرية جاؤوا للتّرحيب به».
لكنّ المنزل كان فارِغًا إلّا منه ومن القطعة المُستطيلة الّتي كان يُحدّثها ويضحكُ عاليًا معها.
«لقد جنّ الرّجل على الأكيد» قالت أُمّي بصوتٍ لم آلفه. مع تتالي الأيّام، ثبتت نظريّة أمّي: «لقد جنّ الرّجل على الأكيد».
*****
خرج الصّوتُ من داخلي كأشلاء: «عونا ومنداحا… أين عونا، أين منداحا… أمّي… يا أمّي… أبي… يا أبي… هناك لصّ… لقد سرق اللّصّ عونا ومنداحا».
ركضت أمّي مذعورة فيما تقدّم أبي نحوي بخطىً بطيئة، وعيناه مثبّتتان على القطعة المُستطيلة: «لم يسرق أحد عونا ومنداحا. أنا بعتهما».
«ماذا فعلت؟!». لم يجب. كان منغمسًا إلى صلعة رأسه بقطعته. يضغط عليها حينًا، ويرفعُ إصبعه ويمرّره في كلّ الاتّجاهات حينًا آخر.
اختنق السّؤال في حَنجرتي، وخرج منها ثانية هامدًا.
أجابني هامسًا بكلمات لم أسمع منها حرفًا. «أبي… ركّز معي قليلًا!». كان منوّمًا فاقد التّركيز. رفع رأسه وقال: «احتجتُ إلى شراء بعض الأغراض».
أخرج شيئًا مدوّرًا يُصدرُ ضوءًا قويًّا، وشيئًا آخر له شريط طويل اسمه «سمّاعات»، وقال: «قريبًا سأبدأ بتصوير مقاطع مُضحكة، وأنشرها، ونصيرُ مشهورين».
لوّحت أمّي بيدها في وجهه: «أقسم، لو أنّك بعتَ أيّ غنمة بعد الآن، لطردتك من المنزل… ولينفعك هذا الشّيء الّذي تمضي وقتك باحتضانه».
لم يولِ اهتمامًا لأيّ كلمة. اتّخذ من الكنبة مقعدًا. أحنى رأسه، وبدأ جولته الّتي لا تنتهي بالتّحدّث مع الهواء والتّلويح بيديه وأصبعه.
*****
طال الانتظار… لقد آن أوان أن يعود والدي إلى الرّعي، لكنّه لم يكن حيث اعتدتُ رؤيته صباح كلّ يوم. قالت أمّي إنّه لا يزال نائمًا.
أيقظته: «هل أنت مريض؟». هزّ رأسه نافيًا. فقلتُ: «إذًا هيّا، يجب أن نأخذ القطيع إلى السّهول والجبال». فقال: «انتظرني في الخارج».
مرّ الوقتُ بطيئًا كغنمة تُقلّد مشية سُلَحفاة. لم يخرج. كان غاطسًا في النّوم.
الواحدة بعد الظّهر صارت ساعة استيقاظ أبي، بعدما كان يستيقظُ مع أوّل خيط أبيض. وصارت مهمّة القطيع على عاتقي، وما تبقّى من أعمال على عاتق أمّي المسكينة.
لكنّه في يوم، كسر روتينه الّذي تجرّعنا اعتياده، واستيقظ باكرًا. سألني: «ألا تريد أخذ القطيع في رحلة اليوم؟». صحتُ في قلبي: «لقد عاد أبي».
أحكمت القبض على عصاي، ومرّرتُ أخرى لأبي، غير أنّه اعترض: «لا، لا يمكنني». ابتسمتُ له: «لا بأس، المهم أنّك هنا يا أبي. اشتقتُ إلى صحبتك».
مشيتُ ومشت معي أغنامي وخرافي. كربيجاح كان اليوم نشيطًا وهو المعروف بالكسل، أمّا مارحوناس فكان يُنطنِطُ وكأنّ شجرةً أعطته محصول حقل. لقد كنّا كلّنا فرحين، والسّبب هو: أبي… أبي الّذي لم يبادلنا الشّعور.
أخرج من جيبه القطعة المُستطيلة وبدأ بالتّحدّث إليها. سألته عمّا يفعل، فقال: «أصوّر Vlog عن حياة راعٍ يحمل هاتفًا. لا بأس عليك يا هاشلو، لا تشغل بالك بي». أشحتُ باهتمامي عنه، والتصقتُ بماندو الّتي لم تكن مغفّلة مثلي لتُصدّق أنّ «أبي قد عاد».
جلسنا أرضًا للرّاحة، حيث التقينا بالرّجل غريب الأطوار. أخرجتُ «الزّوّادة»، وأعطيتُ أبي حصّته. لم يهتمّ لقطعة الخبز والفاكهة المجفّفة واللّبن البارد. تركني وحيدًا بلا مؤنس، وراح يُعرّف القطعة المُستطيلة إلى كلّ شبر من الأرض. حكى مطوّلًا عن الطّبيعة وجمال القطيع وعظمة الرّعي… ثُمّ قرّب القطعة الّتي تُعرَفُ باسم الهاتف منّي ودلق عليّ أسئلته.
رفعتُ رأسي، كانت الغيوم البيض الرّقيقة تزرع السّماء. الطّقسُ اليوم جميل. سألتُ الله: «هل كتبتْ هذه القطعة المُستطيلة عملًا ما أو سحرًا أو ما شابه ليقع أبي في غرامها… ما هذه البلوة؟!».
*****
اتّشحت القرية بالصّوف والقشّ وأعشاب خضر طريّة، وانشغلت المغازل والإبر بحياكة الملابس، وضجّت السّاحة بتحضيرات الحفل الكبير. إنّه موسم العرس الجماعيّ الّذي يُقام مرّة كلّ عامين في قريتنا.
جاءني أبي، وسحبني من السّاحة حيث كنتُ أساعد في التّنظيم، وقال: «لقد أحبّك المُتابعون يا هاشلو، ويريدون رؤيتك مُجدّدًا».
فسألته: «وكيف يعرفونني؟!».
فقال: «الـVlog؟».
فقلت: «الـ… ماذا؟».
فشرح لي معنى الـVlog، قائلًا إنّ أكثر من مئة ألف شخص شاهده.
صحتُ: «أبي، مئة ألف ماذا؟!».
فقال: «لقد صرت مشهورًا، وما أريده منك الآن أن تنظر إلى التّلفون وتجيب عن أسئلتي».
رفضتُ وطلبتُ إليه تركي وشأني لأكمل المساعدة. فقال: «وما هذا الّذي تحضّرونه؟! أنت لن تتزوّج في حفل جماعيّ يا بُنيّ، ولن تلبس لباس الخراف والرّعاة، سيكون لك عرس مستقلّ، سترتدي الأسود وزوجتك الّتي لن تكون من هذه القرية سترتدي الأبيض… الآن تعال لنصوّر فيديو».
«أبي، لكنّك أنت أيضًا تزوّجت في عرس جماعيّ. الجميعُ هُنا ينتظرون هذا الموسم ليتزوّجوا!».
خطفني من يدي: «دعك من هذه البلاهة»، ثمّ وضع القطعة المُستطيلة في وجهي، وبدأ يتحدّث عنّي مُستعملًا كلمات غريبة.
شعرتُ بعيونٍ تنغرزُ في جلدي، وأيدٍ تلطّخُ جسمي. ارتجفت يديّ وقلبي، وأغرقني العرق.
حاولتُ التّملّص منه، والعودة إلى السّاحة، فلحق بي وأصرّ بحزم: «اسمع كلام أبيك. أنا الآن مشهور، ولديّ أكثر من مئتيّ ألف مُتابِع، ويجب أن نصوّر لهم».
وبينما كنتُ أُبعد عينيَّ لكي لا تلتقيان بعينيه المخيفتين، لاحظتُ شيئًا في رأس أبي. إنّهما قرنان صغيران. ارتعدتُ. لقد صار أبي يُشبه ذاك الرّجل غريب الأطوار.
*****
قضي الأمر… صرتُ مجبرًا مرّة كلّ أسبوع، على التّفوّه بكلمات وجمل أحفظها عن أشياء وأمور لم نعرفها ولم تحصل معنا يومًا. وبعد كلّ جلسة تعذيب في مواجهة القطعة المُستطيلة، كنتُ أفزعُ إلى سريري، وأختبئ تحت لحافي باكيًا حتّى تشرق الشّمس.
غير أنّني قرّرتُ الانتفاض. استجمعتُ كلماتي وقلتُ مُتلعثمًا: «أنت تزعجني… هل قطيعُك الموجود داخل هاتفك أهمّ من راحتي؟!».
قال: «الخراف والأغنام اسمها قطيع، أمّا مجموع النّاس الّذين يتابعونني فهم Followers. وعليك أن تساعدني لأقدّم لهم ما يُضحكهم ويُفرحهم».
رفضت. فقال: «لماذا؟!». فقلتُ بغصّة: «لا أحبّهم». فأعاد السّؤال: «لماذا؟!». فقلتُ والدّموع اتّخذت مجرى لها على وجنتيَّ: «قطيعي يسيرُ كما أريد أنا، وقطيعك يسيّرُك ويُسيّرنا كما يريد هو».
انتصرتُ عليه. تركني وشأني… ولكنّه راح يحوم حول والدتي المسكينة، الّتي ستكون في يوم ضحيّة هذه القطعة المُستطيلة الغبيّة.
حشر القطعة المُستطيلة في أنفها وتوسّل إليها: «لا ترفضي. تحدّثي مع المتابعين. لقد صاروا نصف مليون. كلّهم يريدون رؤيتك». قالت له: «أبعد هذا الشّيطان من وجهي». فقال: «بلى، رجاءً، صوّري، لن يزعجك أحد».
نحّته عنها، وزمهرت في وجهه: «اتركني لا وقت لأضيّعه». ثمّ فرّت لزيارة ابنة عمّها مارتولا الّتي عادت حديثًا من السّفر.
ومع ذلك، نجح أبي لاحقًا في تصوير أمّي خلسة… وهي تتحدّث وتطهو وترعى القطيع وتبيعُ الحليب وتعمل… غضبتُ منه، ووشيتُ به بلا حياء أو ارتداع، تمامًا مثلما يفعل هو.
جنّت أمّي. هاجمته حيث كان يجلسُ إلى جذع شجرة، ويتحدّث عن ذكرياته مع أبيه. خلعت حذاءها، وانهالت عليه بالضّرب… حاول أن يفلت منها، فلحقته. مسكته من سترته وأوزعته ضربًا.
احتشدت القرية كلّها في بيتنا. جرّبوا استدرار عاطفة أمّي. فما كان على لسانها إلّا جملة واحدة: «أنا أو ذاك الشّيطان المُستطيل».
واختار أبي «الشّيطان المُستطيل».
*****
وضّبت مارتولا الحليب والمونة الّتي اشترتها من أمّي في كيس خيش كبير… وقبل أن تُغادر منزلنا، سحبت من حقيبتها «هاتفًا» يُشبه «هاتف» أبي. ارتعدت الكلمات في فمي أمّي: «اخرجي أنت وهذا الشّيطان من منزلي».
قالت لها والعرقُ يغطّي وجوهنا نحن الثّلاثة: «لحظة، أريدُ أن أريك ماذا ينشر زوجك، وماذا يفعل، لأنّه بالتّأكيد لا يخبركِ». أشارت بيدها إلى القطعة المُستطيلة وقالت: «زوجك لديه مليون متابع!».
فقالت أمّي، وقد سقطت قطرة عرق من أنفها على الأرض: «ولو مليون صُرماية، لن يرجع إلى المنزل إلّا على جثّتي، وإلّا…». قاطعتها مارتولا: «أريدك أن تعرفي أنّكِ وزوجك وابنك مسخرة مواقع التّواصل الاجتماعيّ. النّاس تُتابع زوجك لتسخر منه ومنكِ، ومن حياتكم وقطيعكم وطريقة كلامه ولبسه».
تكاثر العرقُ في ثوانٍ على وجه أمّي، وأغار الدّم على شرايين وجنتَيها الحنطيّتين. صرخت: «صرنا سيرة على لسان الفهيم والبهيم».
انتعلت حذاءها الممزّقة أطرافه، وركضت تبحث عن أبي. لحقتُ بها حافي القدمين، ولم أنتبه إلى انغراز شوكة في قدمي إلّا مساء ذلك اليوم.
وجدناه في بيت مهجور شبه مُهدّم في حقل يابس مُهمل. كان وحيدًا على عادته مُذ طرد أصحابه ورجال القرية من رفقته، مُتعلِّقًا بهاتفه تعلّق الغريق بأملٍ للنّجاة، يتحدّث بلهجة مشوّهة منتفخة الأوداج مائعة.
خلعت أمّي فردَتَي الحذاء الممزّق، ورمتهما باتّجاه وجهه، ومن فمها خرجت الشّتائم القذرة المبلّلة بالرّذاذ والبصاق: «بأيّ حقٍّ جعلتني أنا وابني مسخرة القطع المُستطيلة يا فاشل يا تيس يا صعلوك؟».
ببرودة نبع في شتاء قارص قال: «لسنا مسخرة. نحن مشهورون الآن، ولدينا مُحبّون ومُتابعون من كلّ الكون».
«أنت كاذب!».
لم يجبها.
«أنت كاذب!»، ثمّ ذيّلت كلمتَيها بالكلمات الآتية: «سأعيدُك إلى رشدك يا أبا هاشلو يا ابن أبي هاشلو». خطفت القطعة المُستطيلة من يده، وطحنتها تحت قدميها حتّى صارت فُتاتًا كطحين الحنطة.
تيبّس أبي في أرض البيت النّتن. جحظت عيناه، وارتجفت يداه.
«ماذا فعلت أيّتها الفاجرة؟!». جذبها من شعرها، ومسح بجسدها وملابسها الأرض دون أن تنجح محاولاتي في ثنيه أو تخليصها…
ضربها… وكانت أوّل مرّة يضربُ أبي فيها أمّي.
*****
مُجبرًا، نهضتُ صباح اليوم الّتالي من سريري. كانت ليلة الدّموع والبكاء. عُدنا أنا وأمّي إلى بيتنا بجسدَين ورّمَهُما الضّرب، وبقلبين منكسرين خائري القوى.
ارتديت ملابسي على مضض. وضعتُ في فمي كِسرة خبز، وذهبتُ إلى الحظيرة أتفقّد أغنامي وخرافي. خرج صوتٌ من أعماقي زلزل الأرض حولي: «أين قطيعنا؟!».
لم أترك زاوية إلّا بحثت فيها، ولا إنسانًا إلّا سألته. غرز القهر أظفاره الحادّة في قلبي. من سرق هنروحا، وبندينا، وماندو، وعسرينخ، وكربيجاح، ومارحوناس؟!
أبي.
لقد فعلها.
قالها لي صراحةً: «لقد بعتُ أغنامك وخرافك، واشتريتُ هاتفًا جديدًا. لا تقلق، كلّ ما أفعله هو من أجل مُستقبلك».
«أقلتَ أغنامك وخرافك… أليست أغنامنا وخرافنا؟!». فردّ: «لا، ما عدتُ راعيًا، وما عدتُ أريدُك راعيًا. نحنُ أعلى شأنًا من الرّعي».
أدرتُ ظهري وتركته وحيدًا مثلما قرّر أن يكون. لقد أدركت أمّي الأمر برمّته منذ لحظاته الأولى: «لقد جنّ الرّجل على الأكيد».
انقطعت أخبار أبي، ومن المؤكّد أنّ أخبارنا، أنا وأمّي، انقطعت عنه أيضًا. ومرّت الأيّام الّتي تلت اختفاء القطيع، ثقيلة ومُرّة كالعلقمِ.
ما عاد لدينا حليب ولا لبن، ولا ما يكفينا من المال. بدأ كلّ شيء في البيت يفقد بركته، وبدأنا نعاني شظف العيش. بعنا ما كان لدينا من أثاث وبعض الممتلكات الثّمينة. اشترت أمّي مغزل صوف، فيما غدوتُ أنا مجرّد أجير يعملُ لصالح رجل لا يملك في حياته إلّا المال، بعدما كنتُ سيّدًا بين خِرافي وأغنامي.
*****
تصاعدت النّيران بألوانها البرتقاليّة والحمراء والسّوداء، وامتزجت بألوان السّماء ساعة الغروب… خرج الدّخان من الأبواب والشّبابيك وكأنّه يولي هربًا من الجحيم.
ركضتُ ناحية البيت حيثُ تجمّع الجيران يحاولون إطفاء الحريق.
خمدتِ النّار الّتي صيّرت البيتَ خُردةً. لكن… ماذا عن أمّي؟! لمَ لا أراها تُطفِئ النّار بساعدَيْها القويّين؟
قرقعة الأشياء المحترقة، والدّخان الأسود، والغمام الّذي تشكّل حولنا، والرّائحة الّتي عبقت… كلّها أنبأتني بالخبر المشؤوم: خرجت أمّي من المنزل الّذي بنت كلّ حجر فيه بعرقها وتعبها جثّةً متفحّمةً.
لم تمت أُمّي… بل ماتت الحياة.
جاء أبي مُعزّيًا ومعه قطيع طويل عريض. حضنني لأوّل مرّة منذ زمن: «رغم كلّ المشاكل، الله يرحم أمّك، كانت تُحبّك».
لم أجبه، ولا أريد الإجابة.
«لا تظنّ أنّني لا أفكّر بك، حتّى ولو كنتُ بعيدًا. أنا أبني مُستقبلك. غدًا، عندما أموت يا حبيبي، أنت سترثُ كلّ الـFollowers، لقد صاروا مليونين. ستأخذُ حسابي، وتنشر فيه ما تُريد من مقاطع مُضحكة، أنت فتى طيّب وموهوب».
لم أجبه، ولا أريد الإجابة.
كانت الأرض تُبرِّدُ ملابسنا وتبعثُ الحرارة إلى جلودنا عندما رأيناه مُقبلًا. عدّل أبي هاتفه بين يديه وعرفه: إنّه الرّجل غريب الأطوار صاحب وجه الدّمية.
أطرق رأسه في أسى، وفعل قطيعه مثله، ثمّ قال: «لقد تقطّع قلبي ألمًا، تعازيّ الحارّة لك يا طفلي الصّغير… لكن لا، أنت اليوم لست طفلًا، أنت رجلٌ يا بطل».
لم أجبه، ولا أريد الإجابة.
«آهٍ آهٍ، لو تعرِف، لقد ضجّ المرعى غرام بخبرِ وفاة أمّك…». قاطعه أبي: «هاشلو بحاجة إلى الرّاحة».
«لا، عليه أن يعرف». قاطعه أبي مُجدّدًا بصوتٍ عصبيٍّ: «الآن اتركه وشأنه».
«لقد نال الفيديو الّذي نشره والدك عن حريق بيتكم مشاهدات كثيرة، لقد أحرقَ المرعى غرام… فجّره».
فشل أبي في إيقافه: «والجميعُ يريدونك أن تكون موجودًا في المرعى غرام. اشتريتُ لك هاتفًا هديّة».
رفع أبي قبضته وضربه بها على وجهه، فرفع الرّجل يده وضربه. اشتبك الرّجلان، واشتبك قطيعا الرّجلين… وأنا جالِسٌ أتفرّج على الاثنين.
انسحبتُ من بينهما، وتوجّهتُ إلى بيت ابنة عمّة أمّي.
«أنا هُنا لأشاهد فيديو احتراق بيتي».
ارتبكت. شعرتُ بارتباكها: «إذًا ما القصّة؟!».
أعطتني هاتفها. شاهدتُ الفيديو. «كان بثًّا مُباشرًا شاهده الجميع واحتفظوا به». بيتنا. الحياة تسير وفقًا لجدولها اليوميّ. أمّي في الخارج تهتمّ بتعديل نار الموقد تحت طعام الغداء. صوت أبي يتحدّث عن شيء لا أعرفُ ما هو. أمّي في الدّاخل تحوك الصّوف.
صوت أبي يقول إنّه سينثر شيئًا حول البيت وداخله من الشّبابيك… الموقِد… أبي ينثرُ حبوبًا وأعشابًا، ويرشُّ سائلًا من علبة غريبة، ويُضيفُ موادًا أخرى سائلة إلى الحبوب الّتي ينثرها… وجه أبي، يتحدّث ويقول: «الآن لنرى إن كان بيتنا سيتحوّل إلى مدينة ملاهي معجونيّة كما تحوّل بيت…» قال كلمة لم أفهمها.
لحظات. انفجر المنزل وتصاعدت النّيران. سألتُ مارتولا: «ماذا يعني؟». فقالت: «بعدها أغلق والدك البثّ المباشر، ولم يعرف أحد ما حصل».
لم أفهم كلمةً، ولا أريد أن أفهم. ذهبتُ إلى البيت الّذي تغذّت النّيران به وبجسد أمّي، وانتظرتُ معجزة تأخذني إليها.
*****
«جئتُ لأراك».
قالها شخص أعرفه: الرّجل غريب الأطوار. أدرتُ وجهي ناحيته.
«ألن تأخذ التّلفون الّذي اشتريته لك؟» قال.
«لا» قلت.
«كيف ستعيش؟» قال.
«رحمة الله واسعة» قلت.
«لكنّ التّلفون سيجعلك عظيمًا. سجّل فيديو، وابكِ فيه، واصرخ، وتحدّث عن ألمك وفقدك لأمّك، سيصير عندك قطيع بدل ذلك الّذي خسرته، وستجني المال» قال.
«لكنّ أبي يصرف ماله ويبيع ممتلكاته ولا يجني إلّا القهر» قلت.
«أنت ذكي، وسأعلّمك طرقًا تدرّ عليك الرّبح الكثير، شرط أن نتقاسم الرّبح مناصفةً». قال.
«أنا راعٍ ولست بهلوانًا» قلت.
«إذًا غيّر مهنتك، وأنا أضمن لك النّتائج» قال.
«أنا أقود القطيع، لا القطيع يقودني».
*****
أبي… أبو هاشلو… مات.
مشيت أنا وأهالي قريتنا في جنازته. وصلنا المقبرة، حيثُ كانت أمّي قد سبقتنا. انهال التّراب على جسده داخل الكفن، كما انهالت المصائبُ كلّها فوق رأسنا… بعدما جفّ تراب القبر، غطّت قطعة بلاط مُستطيلة ذاك التّراب.
بقيتُ وحيدًا، ولم يبقَ لي من والدي غير تلك القطعة المُستطيلة الّتي يسمّونها «هاتفًا». ورثتُ هاتف أبي. أعطوني إيّاه. صار ملكي، والقطيع الّذي لم يأتِ ليمشي في جنازة أبي، كلّه صار ملكي أيضًا.
تحدّثتُ مع قطيع أبي الـ«Followers». تعرّفتُ إليهم وتعرّفوا إليّ. نشرتُ لهم صورًا من المقبرة للرّجل الّذي سخروا منه كثيرًا، وصورًا أخرى من البيت الّذي لم أملك بعد ثمن إصلاحه.
قفز عدد المتابعين إلى ثلاثة ملايين. أبو هاشلو يرقصُ في قبره، وكذلك الرّجل غريب الأطوار الّذي ظهر فجأة على عادته الكريهة. هنّأني بسعادة لا توصفُ قائلًا: «ستصبحُ النّجم الآتي للمرعى غرام، وكما اتّفقنا سابقًا الأرباحُ مناصفة».
حملتُ التّلفون، وبرفقة مارتولا، ذهبنا إلى حيث اتّفقنا. لحق بي: «أشمّ رائحة أمر سيّئ تفعله. ماذا تفعل؟!».
وصلنا. وضعتُ الهاتف على الطّاولة، فوضع الرّجل مبلغًا ماليًّا. شكرته وخرجت من محلّه المملوء بالقطع المُستطيلة كثيرة الأشكال والأحجام، بعدما تأكّدتُ أنّه حذف كلّ المواد الّتي نشرها والدي.
ضرب الرّجل غريب الأطوار رأسه بهاتفه الّذي لا يُفارقه: «ماذا فعلت يا مجنون. أنت تُضيّع تعب والدك، وتقضي على مستقبلك يا عاقّ».
أمسكتُ المبلغ الّذي جنيته من بيع قطيع أبي وهاتفه، وعُدتُ أدراجي إلى قريتي تُرافقُني مارتولا.
شتمني الرّجل غريب الأطوار، وراح يؤنّبني: «أبوك الآن في قبره يحترق ويتفلفل من فعلتك يا وجه الغراب يا أرعن».
«لا تزال أمامك فرصة. أعطني المال لأشتري لك تلفونًا. وستبدأ من الصّفر، كما بدأ والدك».
وصلتُ إلى الوجهة الّتي حدّدتها، وغريب الأطوار يزحفُ ورائي لاهثًا ككلبٍ يلفظ رمقه الأخير.
كان المرعى كبيرًا جدًّا، وفيه قطعان من كافّة الأنواع. اشتريتُ قطيعًا خمسة أضعاف قطيعنا السّابق، وعقدتُ النّيّة للبحث عن خمسة رعاة يساعدونني في عملي الجديد.
لم أتأخّر… سريعًا، كما ركضت الأحداث منذ وفاة أمّي، أصلحتُ بيتها، وأقسمتُ أنّ القطع المستطيلة لن تدخله.
عدتُ إلى حياتي السّابقة… إلى جزء منها، ولم يبقَ أمامي إلا مهمّة واحدة.
ذهبتُ إلى المقبرة، وفي يدي مجرفة. حفرتُ قبرًا ثالثًا قرب قبرَي أمّي وأبي، ودفنتُ فيه الرّجل غريب الأطوار ومعه تلك القطعة المُستطيلة.
لتحميل المجموعة القصصيّة كاملة اضغط/ي هُنا.
اقرأ أيضًا:
– يوم آخر مرّ من هُنا
رأيان حول “يومَ ورِثتُ Followers أبي”