قصص قصيرة

يوم آخر مرّ من هُنا

يوم مرّ من هُنا:

في ليلة وضحاها انقلبتِ الحياة: السّماء انزرعت بالعشب، والأرض تلبّدت بالغيوم. رجل دعس سيّارة، وامرأة توصل باصًا على ظهرها إلى المحطّة…

فركتُ المشهد بكلتا يديّ فأبى أن يتغيّر. أفرغتُ رأسي من الأفكار عبر أذنيّ. تحرّرت الفكرة الأولى: شتمتني والتحقت بركب أفكار أخرى بائسة. ثمّ تحرّرت مئات الأفكار. أرخيتُ رأسي على الشّبّاك بانتظار أن تبصق السّيّارة جسدي عند الوجهة المُحدّدة.

«لمَ حزينة هكذا، وكأنّ هموم الدّنيا على كتفَيْك؟». سألني سائق سيّارة الأجرة. أعدتُ عينيّ إلى الدّاخل، ورميتهما عليه. أوعزتُ إليه أن اخرَس، فخرس. ثمّ التقطّتُ عينيّ من جديد، وأرجعتهما إلى الخارج: موزة ترتدي بدلة، تهرول وفي يدها حقيبة مملوءة بأوراق التّوت… قبيلة شراشف تعتزم الهجرة إلى الأبد… طائرات تسبحُ في نافورة، وقوارب تتراقص على اليابسة…

أشحت بنظري عن هذه الغرائب. وقعت عيناي على سفارة شبه مهجورة، فمتجر أزهار، ثمّ على مكان كان فيه سيّارة صفراء أحلمُ يومًا بشراء مثلها. اليوم أيضًا لم تكن موجودة. مُذ اختفت هذه السّيّارة الّتي كانت تؤنس صباحي يوميًّا، استشعرتُ الخطر. شيءٌ أجهل كنهه شرع يُلاحقُ أعصابي.

يوم آخر مرّ من هُنا:

أسطول من الإحباط اجتاح رأسي. أحكم القبض على ما تبقى من أفكار داخلي. اعتقل عقلي ودمّر بناه التّحتيّة، ثمّ استولى على غرفة التّحكّم وراح يسيّرني.

كدتُ أسقط في هوّة النّوم لولا راح سائقُ السّيّارة ينفث كلماته في أذني.

«ما عاد ممكنًا أن يعيش الإنسان في هذا البلد. أعملُ ليل نهار من دون أن أجني ربحًا أشتري به لأطفالي خبزًا! كيف نعيش؟! بتنا نخاف أن نموت فلا نجد ثمن كفن وتابوت!».

من الشّبّاك رأيتُ نارًا تلتهم حقلَي قمح وذرة أراهما للمرّة الأولى. مسحَتِ النّار فمها بكمّها، ثمّ فتحته كبيرًا، وألقت فيه نهرًا. دقائق وصرخت النّار؛ إعياء مفاجئ أصابها. نار من نوع آخر اشتعلت في أحشائها… لم يفهم أحد ما حصل… رجّح الطّبيب أنّها تسمّمت.

عاد انتباهي إلى سائق السّيّارة: «أنتظر طوابير السّيّارات لأملأ سيّارتي بالبنزين. أنام عند المحطّة اللّعينة… والرّكّاب لا يكفّون عن تربيحنا ألف جميلة، ويبخلون علينا بألف ليرة…».

ألقى عليّ نظرة تفقّد وفي خاطره أن أشاركه وصلة النّقّ. أوعزتُ إليه أن اخرَس، فخرس. حاولتُ أن أعود إلى غفوتي؛ عين مغلقة نائمة، وعين مفتوحة قلقة.

اجتزنا السّفارة ومعها متجر الأزهار. قفزت عيناي، ومن جديد لم تجدا السّيّارة الصّفراء الّتي كنتُ أحلمُ يومًا بشراء مثلها.

تذكّرتُ قولي عندما رأيت السّيّارة لأوّل مرّة: «وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِۦٓ أَزْوَٰجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ».

زعيق السّائق لم يسمح لي بالعودة إلى غفوتي: «ألا تريدين النّزول هُنا؟!».

يوم آخر مرّ من هُنا:

الصّباحات كلّها واحدة، وأنا مئة إنسان ضجران. فتحتُ الكيس الكبير: لوح شوكولا نحيف هزيل مغلّف بورقٍ عتيق. قبل أشهر كنت أشتري الدّكّان بما دفعته هذا الصّباح ثمنًا للشّوكولا.

قبل أن أصعد سيّارة الأجرة الّتي أوقفتها للتّوّ، رأيت على مقربة منّي حشدَ مكانس يقوده رجل. صرخوا معًا: «سنكنسُ الاحتلال الغاشم من بلادنا… سنكنسُ، نكنسُ… نكنسُ». صرخ الرّجل: «أنتم مين؟!». قالت المكانس: «نحنُ كنّاسين». قال الرّجل: «كنّاسين على مين؟». قالت المكانس: «على المحتلّين».

وضعت قدمي في السّيّارة، وبينما أدخل ما تبقّى من جسمي، هتف الرّجل مُشارِطًا: «الدّولار ارتفع، ومعه تعرفة السّرڤيس. إن لم تعجبك التّسعيرة الجديدة فلا تصعدي».

أوعزتُ إليه أن اخرَس، فخرس. عدّلتُ جلستي فيما المكانس كانت قد كنست الرّجل، وتحوّلت إلى كنس نفسها بنفسها حتّى لم يبقَ من يخبر بما حصل معها.

أخذت كسرة من اللّوح المرميّ في الكيس، وتركتُ ما تبقّى من الشّوكولا لما تبقّى من الأسبوع.

أخرجت رأسي من الشّبّاك، وتركت لعينيّ حريّة المراقبة: وجوه مطروشة أسىً، مارّة ملطّخون بلوثة الدّولار، ثياب مُعتّقة، طرقات متّسخة لم تصلها المكانس الّتي كنست نفسها، وسائل نقل تحتاج إلى نقل، أشجار عواقر، سفارة مهجورة، متجر أزهار… مكان فارغ من السّيّارة الصّفراء الّتي كنت أحلمُ يومًا بشراء مثلها.

يوم آخر مرّ من هُنا:

إنّه الاثنين؛ بداية الأسبوع. إنّه المساء؛ نهاية الاثنين. خرجتُ من عملي وانتظرت سيّارة أجرة تسحبني إلى بيتي. دقيقة. ثلاث. مئة… أين السّيّارات؟ مرّت سيّارة «كركوعة»، فانضممت إليها.

قال السّائق: «إنّه اثنين الغضب. قطعوا طرقات البلد كلّها. الوضع ما عاد يُحتمل. اليوم اثنين الغضب، غدًا ثلاثاء التّمرّد، بعده أربعاء الفجور، ثمّ خميس الاحتجاج، وجمعة الانتفاض، وسبت النّفور، وأحد الثّورة والمشاوي»، وراح يُقهقه عاليًا.

أوعزتُ إليه أن اخرَس، فخرس.

في الخارج سيّارات متكدّسة كما تتكدّس حبّات الباذنجان في المرطبان. درّاجات ناريّة محشورة بين السّيّارات. درّاجة هوائيّة مسكينة أُقحِمت الحلبة. دخّان أسود في العالي يأسر السّماء.

بشقّ الأنفس كانت السّيّارات تسير. أشفقت على نفسي. رأسي يتفجّر وجعًا، ومعدتي يقصفها الجوع، وجسدي يرنو إلى هنيهة استراحة.

سمحتُ لنفسي بالغضب. أخرجتُ رأسي من الشّبّاك، ولعنت قاطعي الطّرق واللّيرة والدّولار. قلت لشاب عاري الصّدر مُلطّخًا بالرّماد: «أنا أيضًا أتقاضى راتبي باللّيرة. لست مترفة ولا مسؤولة عن الأزمة. أريد أن أصل إلى بيتي وأرتاح. ألا يكفي ما نمرّ به؟!».

شتمني وشتم راتبي الّذي أتقاضاه باللّيرة ونعتني بالغنمة، فشتمته ونعتّه بالخروف والأفعى والخنزير.

ومن حيثُ لا ندري، اخترقت عصابة دواليب المشهد. وبالهراوات ضربت قاطعي الطّرق. عندما تأكّدَتْ أنّهم فرّوا إلى طريق آخر يقطعونه، هرولتْ إلى الدّواليب المُحترقة وشبه المُحترقة تحاول إسعافها.

أخيرًا مشت السّيّارات كسلحفاة… مستشفى… متجر أزهار… سيّارة صفراء كنت أحلم بشراء مثلها غير موجودة، سفارة مهجورة، مستوعبات نفايات محروقة، أناس يكادون يقتلون بعضهم بعضًا… ثمّ وصلت إلى البيت.

يوم آخر مرّ من هُنا:

خرجتُ من المنزل وأنا أفكّر بالحلم الّذي رأيته. يا الله! كيف… أنا؟!

صعدتُ السّيّارة وذهني مشغول بالحلم: كنت مع مجموعة أشخاص. قطعنا الطّريق. أحرقنا مستوعبات النّفايات. كانت السّفارة قدّامي، ومحلّ الأزهار ورائي.

فجأة أرادت أن تمرّ سيارة صفراء كنت أحلم بشراء مثلها. لم تكن أيّ سيّارة، بل تلك السّيّارة الغائبة. حاولتُ التّعرّف إلى من في داخلها، فلم أفلح. نظرتُ إلى محلّ الزّهور، لم تكن السّيّارة هناك. أيقنت أنّ هذه السّيّارة الّتي تريد أن تمرّ، هي نفسها تلك.

ركضت لأزيح الدّواليب، وأستكشف شخص صاحبها، لكنّ دولابًا كبيرًا عثّر قدمي، وببرهة رماني في الحريق… استيقظت فورًا.

كان سائق السّيّارة منشغلًا بالحديث مع راكب. كانا يُفكّكان الوضع الاقتصاديّ في البلد ويجترحان حلولًا. برم السّائق وسألني: «وأنتِ ما رأيك؟»

أوعزتُ إليه أن اخرَس، فخرس.

مررنا بأحياء عشواء، شوارع ضيّقة، مستديرة، موقف سيّارات ڤان، سفارة مهجورة، متجر أزهار، وها هو ذلك المكان من دون السّيّارة الصّفراء الّتي كنت أحلم بشراء مثلها.

يوم آخر مرّ من هُنا:

اجتاح السّيّارة صوت غريب يشبه قرقعة معدة جائعة. تجمهر الخلق في الخارج يسألون عمّا يجري. صرخ أحدهم: «هذا الصّوت من داخل المتجر. متجر الأغذية يتضوّر جوعًا يا ناس. كلنا نتضوّر جوعًا. عودوا إلى أعمالكم».

أغلقتُ الشّبّاك على وقع سؤال السّائق: «أين تقع بالتّحديد المنطقة الّتي تريدين الذّهاب إليها؟ أنا جديد في المدينة والمهنة».

أجبته: «هل تعرف السّفارة المهجورة، متجر الزّهور، السّيّارة الصّفراء الّتي كنت أحلم بشراء مثلها؟ هناك». نظر إليّ وقال: «عذرًا على السّؤال، هل أنت مرتبطة؟».

أوعزت إليه أن اخرس، فخرس.

سريعًا تحوّلت تقارير نشرات الأخبار إلى مشاهد أراها من شبّاك السّيّارة: هياكل دكاكين عظميّة، أشباح متاجر، جثث تعاونيّات… كلٌّ كان له أثر، ما عدا تلك السّيّارة الصّفراء الّتي كنتُ أحلم بشراء مثلها.

يوم آخر مرّ من هُنا:

خرجتُ من عملي مُرهقة، ومع ذلك قرّرت أن أمشي على قدميّ حتّى أصل إلى مكان ركون السّيّارة.

المستشفى الّتي على يساري الآن، تأنّ من الوجع. الأطبّاء والطّبيبات والممرّضون والممرّضات ينتزعون الحياة من بين أنياب الموت. الوباء جامح، ونحن بالكاد نحتمل لسعة نحلة.

مشيت دقائق قليلة، والشّمس من فوقي تحصي عدد خطواتي. تفكيري كلّه مشغول بالسّيّارة الصّفراء. كيف حال صاحبها يا ترى؟ أيكون حزينًا لأنّها اختفت؟ لكن كيف تختفي إن لم يقدها هو؟ تراه هو أم هي؟ هل باع سيّارته لأنّه يحتاج إلى المال؟ هل يعقل أن يفرّط بسيّارة مثل هذه؟

كيف أجده لأخبره بأنّ سيّارته كانت المصدر الموثوق للفرح والخير والبشارة في بداية يومي؟ هل يسمع منّي يومًا كيف تغيّرت الحياة منذُ توقّف عن ركن سيّارته في المكان المعتاد؟

ماذا أفعل؟ هل أدخل متجر الأزهار المركونة إلى جانبه وأسأل؟ لا، لن أجنّ!

أوقفت سيّارة أجرة. شارطني: «سآخذ منك سرڤيسَيْن، لا أحد يأخذك من هُنا».

أوعزت إليه أن اخرس، فخرس بعد أن قال: «لكنّني أشفقتُ على حالك، وأريد أن أقوم بعمل خير».

كاذبٌ لكنّني مستعجلة.

يوم آخر مرّ من هُنا:

توقّفت سيّارة أجرة، مدّ السّائق رأسه، وقال: «إلى أين ذاهبة؟». قلتُ له العنوان. قال: «اذهبي لكن لا تتأخّري». قهقه عاليًا وهو يلاعب خصلات شعره، ثمّ قال: «أمزح، اصعدي».

أوعزت إليه أن اخرس، فخرس. وغادر.

مشيت. كلّ الأشياء توحي بأنّ الأمور ذاهبة إلى الأسوأ. اصطدمتُ بصيدليّة. كانت تبكي. قالت إنّ الصّداع غزا رأسها وتبحث عن حبّة مسكّن. ناولتها حبّة من حقيبتي، وأكملتُ طريقي.

تعثّرتُ بيدٍ فوقعتُ أرضًا. نهضت ونظرت. إنّها يد جمعيّة خيريّة. قالت: «من مال الله يا مُحسنين». فتحتُ حقيبتي وأعطيتها ورقة نقديّة، وأكملتُ طريقي.

على بعد أمتار من المستشفى، ينتصب سوق ترفيهيّ كبير، مدّ يده وتحسّس بطنه. رأيته يتقيّأ أناسًا لشدّة ازدحامهم في داخله. غريب.

وصلتُ حيث اعتادت سيّارة صفراء كنت أحلم بشراء مثلها التّمدّد. لم أجدها. حياتنا ليست أغرب ما في العالم، بل اختفاء السّيّارة.

يوم آخر مرّ من هُنا:

قذفت مواقع التّواصل الاجتماعيّ إشعاراتها في وجهي. مجموعات، منشورات، حسابات… كلّها تسأل عن حليب أطفال وأدوية.

أرسلتُ تسجيلًا صوتيًّا لقريبي: «حليب ابنك مقطوع. أخبرني أحدهم أنّه مخزّن. الأسبوع المُقبل، بعد رفع الدّعم، سيملأ رفوف الصّيدليّات». ثمّ أرسلتُ تسجيلًا صوتيًّا آخر: «إحداهنُ تقول لديها علبتان ولا تريد ثمنهما… الدّنيا بألف خير».

عدّل السّائق المرآة وسألني وهو يرى وجهي عليها: «لا تجدين حليبًا لابنك؟ أنتِ أمّ؟ لا يبدو عليكِ! عفوًا، أنا لا أتدخّل، لكن نساء هذا الزّمن توقّفن عن إرضاع أبنائهنّ. لماذا تتوقّفن عن إطعام أبنائكن ممّا زرعه الله في صدوركنّ؟!».

أوعزت إليه أن اخرس، فخرس. أعاد تثبيت المرآة، وراح يتلفّظ كلمات لم أفهمها.

«اقتربنا» قلتُ في نفسي. السّفارة المهجورة على يميني، ومتجر الأزهار على يساري، ومن ورائي أرتال من البطّيخ المجفّف يخوض معركة مع شمّامة ذهبيّة. أمّا أمامي، فلم أجد السّيّارة الصّفراء الّتي كنت أحلم بشراء مثلها. عُصر قلبي. وضعتُ العصارة في قنّينة ماء فارغة، ورميتها من شبّاك السّيّارة ناحية الشّمّامة.

يوم آخر مرّ من هُنا:

من مذياع السّيّارة وصلني صوت المذيع. كان يتحدّث عن حربٍ تجري بين معسكر الخنازير المرقّطة ومعسكر الخنازير المخطّطة في بلاد بعيدة قريبة.

شتم سائق السّيّارة الحرب وقال لي: «إذا كانت معسكرات الخنازير المتحضّرة تخوض حربًا في ما بينها، فماذا نقول عنّا نحنُ معسكرات الصّيصان المتخلّفة؟».

أوعزت إليه أن اخرس، فخرس.

فتحتُ هاتفي أقرأ الأخبار. مقالات من بلاد الخنازير وعنها. غبار يتطاير ويُغطّي الكرة الأرضيّة. فوضى. اختلاط المخطّط بالمرقّط… قلتُ في نفسي: «خنازير في بعضِها، ما لي من علاقة؟!».

أصغيتُ لعلّي ألتقطُ أيّ إشارة. لكنّ الهدوء كان سيّد الأسياد. السّفارة المهجورة هادئة، متجر الأزهار هادئ، الشّوارع والأزقّة والمكاتب وخلف المكاتب والطّاولات وتحت الطّاولات، كلّها في همود. إنّه همود حرب الخنازير.

ومن جديد السّيّارة الصّفراء الّتي كنت أحلم بشراء مثلها ليست هُنا… تنفّستُ نفسًا هامدًا، واتّخذتُ القرار بهدوء.

بعد أيّام أخرى مرّت:

مشيتُ حافية القدمين، والطّريق من حولي مُغرقةٌ بمدبّبات زجاجيّة… على مهل تجاوزتُ الرّؤوس والخراطيم والقناني وأقلام الرّصاص وعبوات القهوة. مشيتُ ولم أنتبه إلى خطّ دم كثيف في كعب قدمي إلّا عندما وصلتُ إلى تلك السّفارة المهجورة.

جلستُ على حافّة حيث اعتدت رؤية رجل أمن يقف في الصّباح والمساء، تحت أشعّة الشّمس ووابل المطر. مسحتُ الدّم بكمّ سترتي، ثمّ وقفت وسرتُ من جديد.

تجاوزتُ متجر الأزهار لأتأكّد إن كانت السّيّارة الصّفراء الّتي كنتُ أحلم بشراء مثلها قد عادت إلى مكانها أو لا. لم أجدها. نظرتُ حولي، لم أجد أحدًا في الشّارع إلّا المصرف ومتجر الأزهار. دنا منّي المصرف وقال: «عمّ تبحثين؟!». قلتُ: «لمَ تُشبه الذّئب؟». فقال: «لا، أنا ليلى، هل تريدين قرضًا لشراء حذاء جديد؟».

أنزلتُ يدي لألتقط حذائي وأضرب وجهه، فتذكّرتُ أنّني حافية. بصقتُ في وجهه ومشيت.

إلى متجر الأزهار توجّهت. اتّخذتُ قراري بالسّؤال عن السّيّارة قبل مئات الأيّام… اتّخذته بهدوء… لكنّ الهدوء يومها تحوّل إلى إعصار قشَّ يابس البلاد، أمّا خضاره فلم يصل الإعصار إليه لأنّه لم يكن موجودًا.

متجر الأزهار وحده نجا. من النّافذة تراءى إليّ خيال أحدهم. دخلتُ من فوري. كانت الأرضُ ملمّعة منظّفة مهندمة. تقدّمتُ خطوة إلى الأمام. لاحظتُ أن كلتا قدميّ برقعتا الأرض ببقع دم.

شاب يجلس إلى مكتب. رأسه كثيف الشّعر غارق في الكرّاس، ويده نافرة الشّرايين منهمكة بالكتابة. يرتدي كنزة صفراء كلون تلك السّيّارة.

انتبه إلى وجودي. رفع رأسه ولا علامات استغراب على وجهه. قال: «نعم؟» بلهجة مَن أزعجه اقتحام أحدهم خلوته.

عقدت المفاجأة لساني. الأزهار من حوله تنضح بالحياة، والأعشاب الأخرى منتعشة. متجر الأزهار خارِجٌ عن سياقه في هذه المنطقة المُدمّاة.

«نعم؟!».

أكملتُ بحلقتي بما حولي.

تركني الشّاب في حيرتي، وعاد رأسه إلى الغرق ويده إلى الانهماك.

استيقظتُ من غفوتي: «كيف أجدُ صاحب السّيّارة الصّفراء الّتي كانت تقطن قرب المتجر وفجأة اختفت؟!».

«هُنا… نعم؟!».

«أينها؟!».

«نعم؟!».

أعدتُ سؤالي. نظر إلى قدميَّ، ومن دون كلمة عاد إلى كرّاسه.

«أين السّيّارة الصّفراء الّتي كنتُ أحلم بشراء مثلها؟ مُذ اختفت والحياة ما عادت حياةً… هل بعتها؟ ماذا فعلت بثمنها؟».

أضفتُ: «لم يعد هناك أيّ أحد غيري وغيرك إذا تناسينا المصرف، يعني لا أحد لأحدّثه غيرك ولا أحد لتحدّثه غيري!».

رفع رأسه وصرخ: «أريدُ أن أركّز… اتركيني رجاءً… عليّ إيجاد خاتمة لهذا النّصّ اللّعين اليوم، وأنتِ تقلقين راحتي».

ثرثرتُ لألفت انتباهه: «فلنتزوّج… ولننجب البشريّة… فكِّر، مصير البشريّة يتوقّف على قرارك!».

رفع حاجبيه رافضًا، فصرختُ: «لمَ لا؟!».

«لا يجوز للكاتب أن يحبّ شخصيّته أو يتزوّجها».

«إذًا اقتلني!».

«لا… لا أستطيع… لقد تعلّقتِ بكِ».

«أنتَ مجنون!».

«وأنتِ شخصيّة خيالها الجامحُ يُعيقُني عن إيجاد خاتمة مناسبة لها».

«أريد خاتمة، وأريدُ أن أعرف مصير السّيّارة الصّفراء الّتي كنتُ أحلم بشراء مثلها… الآن».

مرّغ يديه الاثنتين برأسه وكأنّه يحمّم شعره الكثّ. قام يزرع الأرض مشيًا: «توقّفي عن الزّن، سأعرفُ قريبًا، وعندما أعرف سأخبرك».

«هيّا… قدماي تنزفان، لستُ قادرة على الانتظار أكثر».

«اِصبري بعد، أنت شخصيّة صعبة خاتمتها!».

«الآن! الآن!».

«لستُ قادرًا… لستُ قادرًا… لستُ قادرًا…».

«الآن! الآن!».

«أنتِ ورّطتِني بكِ وبقصّتك. أنت المسؤولة عمّا يحدث!».

«أخبرني إذًا، أين السّيّارة الصّفراء الّتي كنتُ أحلم يومًا بشراء مثلها، ولماذا انقلبت الحياة رأسًا على عقب مُذ اختفت؟!».

من خلفي، سمعتُ صوتًا يقول: «مرحبا…».

مُستعجلًا استمهلني: «سألفُّ باقة ورد لهذا الرّجل، وبعد رحيله سنجدُ حلًّا لهذا المأزق. سنعرف ماذا حلَّ بالسّيّارة الصّفراء الّتي كنتِ تحلمين بشراء مثلها، لأنّني مثلك أتشوّق لأعرف، ومعًا سنجدُ خاتمةً. الآن اغربي عن وجهي وعودي إلى الأوراق قبل أن أُطردَ من عملي».

يارا سعد

لتحميل المجموعة القصصيّة كاملة اضغط/ي هُنا.

اقرأ أيضًا:
– مؤخّرة ابن البيك
– يوم ورثتُ Followers أبي

رأيان حول “يوم آخر مرّ من هُنا”

أضف تعليق