قصص قصيرة

رجلٌ استثنائيٌّ في حياتها

نُشِرَت في 17 شباط 2022

حملتُ كاميرتي، ورحتُ ألاحقُ صدى ابتسامتِها. أُريدُ أنْ أسجُنَ ابتسامتَها في صورةٍ، ثمَّ أسجُنُ صاحبةَ الابتسامةِ في قلبي.

تبِعتُها من مكانٍ إلى آخرَ. حبّذا لو يُمكنُني أن أستبدلَ أوكسجين رئتيّ بنظرات عينيها الطّافحتينِ بالجمالِ. حبّذا لو كان…

لكنّ عمّتي لم تدعْ لي مجالًا لأُكملَ الـ «حبّذا». تبِعتْني. حطّتْ يدها على كَتِفي. قالتْ: «أنسيتَ مَنْ وابن مَنْ أنتَ؟ ماذا سيقولُ النّاسُ؛ انظروا ذاك يُلاحقُ زوجتَهُ ليصوّرَها؟ أفِعلٌ هذا يليقُ بالرّجال؟».

تجاهلتُها.

«بعد ما حدا عِمِلْ شقفة مكتبة؟ لا تكنْ مجلوقًا يا رجل»، بخّتْ عمّتي كلماتِها في أذني. جرّبتُ أن أوضّحَ لها: «ليستْ شقفة مكتبة. إنّه مشروعٌ صحافيٌّ-أدبيٌّ ضخمٌ. هذا حلْمها. إنّها تُحقّقُهُ يا عمّتي».

«الحجمُ لا يعنيني. ما يعنيني، هو أنّ الرّجلَ المحترمَ، لا يترُكُ زوجتَهُ تُسلّمُ على هذا، وتبتسمُ لذاك. زوجتُك لم تتركْ رجلًا إلّا وسلّمتْ عليه، وأنتَ كالأهبلِ راكضًا وراءها تُصوّرُها».

*****

مع غروبِ الشّمسِ، غادرَ كلُّ النّاسِ. بقينا وحدنا. أنا وهي، في مكتبَةِ أحلامِها. اقتَرَبَتْ منّي، وبدلًا منْ أن تقولَ أيَّ كلمةٍ تؤنسُ شوقي، مدّتْ يدَها قائلةً: «أعطِني الكاميرا».

انعكسَ ضوءُ شاشةِ الكاميرا على وجهِها، فزادَهُ ألْقًا. استغللتُ انشغالَها بالتفرّجِ على الصّورِ وقلتُ لها: «اليومَ، في حفلِ الافتتاحِ، كان فخري بكِ لا حدَّ له. لقد كنتِ أميرةً حُلوةً تشِعُّ سحرًا وجمالًا وقوّةً».

أنصتَتْ إلى كلامي باهتمامٍ. وضَعَتِ الكاميرا جانبًا. رفعتْ عينيْها، ثبّتتْهُما في عينيّ مباشرةً، كما فعلتْ لحظةَ قابلتُها للمرّةِ الأولى. اقتربتْ منّي بهدوئها المعتادِ، لثَمَتْ خدّي وهمستْ: «بل أنتَ أميري… أنتَ رجلٌ استثنائيٌّ في حياتي… أحبُّكَ».

*****

ذكرياتي معَها، مُذ تعرّفتُ إليها حتّى اللّحظة، محفورة كلّها داخلَ قلبي. شيءٌ في هذه الحياة، لن يكونَ قادرًا على محوِها. حتّى لعنة الألزهايمر، على فرضِ أصابني مُستقبلًا، لن يتمكّنَ من ذلك.

قبل سنواتٍ، وقعتُ في غرامِها. أحببتُها من دونِ أن أراها أو أعرفها. شيءٌ غريبٌ احتلَّ قلبي، ودفعني إلى أنْ أقولَ: «هذه هي. سأجدُها وسأتزوّجُها».

يومها، كنتُ أتصفّحُ أحدَ المواقعِ الإلكترونيّةِ. وقعتُ على نصٍّ جذبني. وجدتُ نفسي داخلَ كلِّ فِقْرَةٍ من فِقراتِه. وكأنّ كاتبَهُ يعرفُني، ويُريدُ أن يؤرّخَ لواحدةٍ من أعظمِ تجاربي.

بحثتُ عن اسمِهِ. لكنَّ الكاتبَ لم يكنْ كاتبًا، بل كاتبةً. أينَ الصّورة؟ لا صورة لكاتبةِ النّصّ في المكان المخصّص لصور الكتّاب.

بيدٍ مرتجفةٍ، كتبتُ اسمها في محرّكِ البحثِ. لا يُمكنُ لأحدٍ في هذا العصر، ألّا يكون له صورة، ولو واحدة، على شبكة الإنترنت العظمى. لكنْ لا شيء! لا صورة لها، ولا فيسبوك، ولا إنستاغرام، ولا تويتر. فقط نصوص.

قرأتُ نصوصَها كلَّها. قرأتُها نصًّا نصًّا. أعدتُ قراءةَ كلماتِها ومشاعرِها وآرائها حتّى حفظتُها عن ظهرِ قلبٍ.

لم أعرفْ عنها إلّا اسمها. خبّأتُهُ في قلبي خوفًا عليه منَ الضّياعِ. لكنّ أصدقائي قرّروا العبثَ معي. أطلقوا عليها اسمَ «ليلى» واستبدلوا اسمي بـ «المجنون».

مصطفى علّق بسماجةٍ: «يا رجل، ليلاكَ قد تكونُ عجوزًا قبيحةً لا أسنان لها، وإلّا ما مبرّر ألّا تضعَ صورتَها؟ ما مبرّر ألّا تكون موجودةً في مواقع التّواصل الاجتماعيّ؟».

محمّد قالَ: «أو قد يكونُ رجلًا خجولًا، قرّر أن يتستّر باسم فتاة. إذًا أنتَ واقعٌ في غرام رجلٍ يا رجل!».

رامي كان له رأيٌ آخر: «شيلوا المزحْ شباب، قد تكونُ حقًّا فتاة، لكنّني أعتقدُ أنّها أكبر منك بكثيرٍ. أنت في السادسة والعشرينَ. وهي تكتبُ مثل إنسانٍ في الأربعين. إذًا لا يمكنُك أن تتزوَّجَها».

«ومَنْ قالَ إنّه ينبغي أنْ تكونَ أصغرَ منّي أصلًا؟ حتّى لو كانتْ أكبرَ من والدي، سأتزوّجها».

*****

ما إن حانَ موعدُ معرض الكتاب الدّوليّ، حتّى أخذتُ إجازةً من عملي، وداومتُ في المعرضِ. في هذا المكان، سألتقيها حتمًا. تأمّلتُ وجوهَ الفتياتِ والنّساءِ والسّيّداتِ. أطلتُ النّظرَ في عيونِهنّ، لعلّني أجدُ تلك العيونَ الّتي لم أرَها يومًا.

حدّقتُ إلى الأيدي والأصابع. حبيبتي كاتبةٌ؛ إذًا يجبُ أن أعرفَها من يديْها وأصابعِها. فهي إمّا تكتُبُ بالقلمِ، بصرفِ النّظر إن استعملتْ يدها اليمنى أو اليسرى، أو تضغطُ بأصابعها على لوحة المفاتيح.

انقضتْ أيّام المعرضِ، ولم ألمح لها أثرًا. همتُ على وجهي أبحثُ عنها في المكتبات ومتاجر الكتب. تواصلتُ مع أصحابِ المواقعِ الإلكترونيّةِ الّتي نشرَتْ فيها نصوصَها، من دون أن يتجاوب معي أحدٌ.

أعلنتْ عائلتي ومعها أصدقائي نبأ جنوني رسميًّا…

لملمتُ ما بقي من نفسي المنكسرة، وقرّرت: سأنتشل قلبي من ذلك الوهم كلّه. سأنساها، وإن كان النّسيان في الحبّ أشدّ بؤسًا من الانتحار.

مرّت الأيّام عليّ ثقيلة وخانقة، إلى أن جاءتني أختي يومًا على مهلٍ، وقالت: «كم تدفع إنْ أنا دللتُكَ إلى حبيبةِ الرّوحِ يا أميرَ الولهانين؟».

تلك اللّيلة لم أنمْ، سهِرتُ والنّجومَ حتّى آنَ أوانُ ما أتشوّقُ لهُ. حمّمتُ ما على جسدي من ملابسَ، بعطرٍ قويٍّ. مسّدتُ لحيتي، رتّبتُ شعري، وانطلقتُ.

أصدقائي رافقوني، وكذلك أسرَتي. اليومَ، ستوقِّعُ كتابها الأوّل في إحدى دور النّشر.

وصلنا باكرًا، سأل أبي عنها، فناداها أحد العاملين في الدّار. تخيّلتُ نفسي سأجدها مرتديةً فستانًا أبيضَ وكأنّ اليومَ عرسنا…

رأتْ أمّي وأبي. ابتسما لها. اقتربتْ منّا فورًا. توتّرتُ. سَلَّمَتْ عليهما بحرارةٍ، رحَّبَتْ بهما، وشكرَتْ حضورهما.

لم أستطِعْ أن أمنعَ نفسي من التّحديقِ إليها. ولماذا أمنعُ نفسي؟ تأمّلتُ عينيها البنيّتينِ، رموشَها الطّويلةَ، بشرتَها اللّامعةَ، أسنانَها المستويةَ، وابتسامتَها المذهلةَ، والأهمُّ أصابعَ يديْها…

بَرَمَتْ ناحيَتي. رَفَعَتْ عينيْها، ثبتّتهما في عينيّ مباشرةً. حرّكَتْ شفتيْها. ابتسمَتْ وقالتْ «مرحبًا».

بعد يومينِ، أرسلتُ لها عبر الواتساب: «حدّدي موعِدًا لنتزوّجَ. الموعدُ يجبُ أن يكونَ في هذا الأسبوع، التّأجيلُ مرفوضٌ، والرّفضُ مرفوضٌ أيضًا».

وكان زواجنا بعد ثلاثِ سنواتٍ من رسالتي.

*****

مرّةً سألتُها: «أيّ قدرةٍ خارقةٍ لديك لتكتبي نصًّا يُشبهني حدّ التّطابق قبل أن تتعرّفي إليّ؟».

ردّتْ: «ومنْ قال إنّي لم أكنْ أعرفكَ؟ كنتُ أتفقّدُ مواقع التّواصل الاجتماعيّ في اليوم ما يقارب العشرين مرّة. أدخلُ حساباتك، أدقّق في منشوراتك: صورك، كلماتك. ألاحقُ تعليقاتك وإعجاباتك. أتابعُ من تتابعهم… أما أنتَ، فأساسًا لم تكن تعرف بوجودي».

قاطعتُها: «أنا؟ لا تكوني قاسية… كنتُ أكتُبُ اسمك مرّاتٍ ومرّاتٍ في محرّك البحث… أنتِ كنتِ تتابعينَ شخصًا من السّهل أن تعرفي أخباره. أمّا أنا فكنت ألاحقُ شبحًا».

أكملتْ قصّتها: «أنشأتُ حساباتٍ في السّوشل ميديا بأسماء مستعارة، فقط لأتابعك وتحرّكاتك… يومَ كتبتُ النّصّ ذاك، كنتَ أنت في بالي. كتبتُه ليقرأهُ شخصٌ واحدٌ. أردتُكَ في حياتي. أردتُكَ بشدّةٍ. لكنّني كنتُ خائفةً. أنا لا عائلة لي، يتيمة، ومقطوعة من شجرة. لا أجيد إلا كتابة نصوصٍ أنشرُها هنا وهناك. أما أنتَ، فاسم والديك يصدحُ في كلِّ مكانٍ، هُما معروفان، وأنت أيضًا…».

***** 

حبيبتي، ليستْ عجوزًا، ولا رجلًا، ولا ما توقّعه أصدقائي. حبيبتي تصغرني بسنواتٍ تعادلُ أصابعَ اليدِ الواحدةِ، وإنْ كانت السّنّ لا تغيّرُ في الأمر شيئًا… حلوةٌ كالسّكرِ، رقيقةٌ كورودِ الرّبيعِ.

ثمّة من توقّع أنّ حبّي لها ستفتّته الأيامُ، وإعجابي سيَقِلُّ تدريجيًّا كُلّما تعرّفتُ إليها. وثمّة مَن انزعجَ مِنْ كونها ناجحة وقويّة ومستقلّة، وأعدّ ذلك إهانة لي ولـ «رجولتي».

القيامةُ قامتْ ولم تقعدْ عندما قدّمتُ استقالتي في مؤسّسة والديّ، لأكونَ معَها، وإلى جانبها، في مشروعِها الوليدِ.

تفهّم والداي قراري، واحترما رغبتي. أبي قالَ: «أحيّي شجاعتَك يا بطل»، وأمّي علّقتْ: «إن سألتَني عن أفضلِ ما قمتُ به في حياتي، أجبتُكَ أنّي أنجبتُ وربّيتُ رجلًا مثلك».

فيما لم يتقبّل آخرون ذلك… ابنُ عمّي قالَ: «عادةً الزّوجةُ تعملُ عند زوجِها لا العكس». ووالدتُهُ أضافتْ: «لا ينقُصُ ذلك الرّجل إلّا أن يضعَ إلى جانبِ كنيتِهِ كنيةَ أبيها».

أمّا جارتنا فكان لها رأيٌ مغرقٌ بالذّكاء: «وجَدَها ناجحةً ومشهورةً ومعها بعضُ المالِ… غدًا يتركُها». أنا الّذي لم يستغلّ نجاحَ أو شهرةَ والدَيْهِ يومًا!

تركتُ كلَّ شيءٍ، ورحتُ أحتفلُ معَ نفسي بمناسبةِ انضمامي إلى فريقٍ تقودُه حبيبتي. ففي النّهاية، أنا لستُ معنيًّا إلا بأمرٍ واحدٍ، وهو أنّني «رجلٌ استثنائيُّ في حياتِها».

أضف تعليق