
يارا سعد
من أقفاصِ الشّمس الصّدئة، خرجتِ النّجوم. ارتدتْ ثوبَ اللّيل السّافر، وراحتْ تُراقِصُ بؤسَنا.
أصواتُ القذائف والرّصاص الضّائع تملأ أذنيّ. تملأ المكان. الأرض. السّماء. الجحيم. هنا ليس إلّا الجحيم…
صَرَخَتْ أمي بصمت: «هيّا امشِ قبلَ أن يرونا». منذ ذلك الحين، وأنا أمشي لكنّني لا أصل.
*****
حَمَلْتُ ما كان في أجفاني من نومٍ وخبّأتُه في صرّةٍ ملوّنةٍ بالكآبة. وضعتُ الصّرّة في مكانٍ قريبٍ من قلبي ومشيت. أخافُ أن يسرقَها ذلك المدجّج بالسّلاح، كما سَرَقَ النّوم من أجفان مدينتنا.
أمشي وأتعثّرُ بجثث الطّمأنينة. أدوسُ من غير قصدٍ على فتات الهناء. أقعُ في حفرة القنوط.
تمتدُّ يد أمّي وتنتشلني غاضبةً: «امشِ يا صبيّ».
«ماما أنا أمشي لكنّني لا أصل». يجيئني صوتُها تعِبًا: «سنصلُ بعد قليل».
والقليلُ يصبحُ كثيرًا. ونجوم السّماء تتعبُ من الرّقص، فتعتلي الغيوم. تتأمّلنا. تشربُ نخبَ الدّمار. تُقهقه. أسمعُها فتستفزّ قهري: «يا عا..».
تضربني أمّي: «لا تتلفّظ السّوء».
«كنت سأقولُ لها يا عائبة. لماذا تضربينني؟ هل من سوءٍ أكبر من هذا؟».
«امشِ».
أنتِ لا تسمعينني؟ أنا أمشي لكنّني لا أصل.
*****
ما عدتُ أشعرُ بقدميّ. الأرضُ تحتهما تنوء بأحلام الفراشات الكسيحة.
تُمطرُ السّماء فوقَ رؤوسنا العارية. ترفعُ أمّي رأسها مسترسلةً: «السّماء تُشفِقُ علينا. السّماء تبكي لأجلنا».
«أمّي كيف تبكي السّماء وليس لها عيون؟».
ترمقني أمّي. ترمقني السّماء. ترمقني الأرض.
«امشِ يا حازم».
شجرةٌ جاحظةٌ من ورائنا تلطمُ أمي فترميها أرضًا، وتصرخُ: «منذ اليوم اسمه لاجئ».
تُلملمُ أمي بقاياها وتتنهّد: «اصمتْ وامشِ يا لاجئ».
للمرّة الألف، أنا أمشي لكنّني…
لكنّني مع طلوع الشّمس، أصلُ إلى مكانٍ تفوحُ منه رائحةٌ، تشبهُ رائحةَ الخوفِ عندما يحترقُ بقنابل الحرب.
حربٌ اقتحمتْ حياتنا، من دون أن تستأذن الأبواب والجدران الّتي «لها آذان«.
لو كان أبي لا يزال على قيد الحياة، لما كنّا هنا. لو لم يُقطَعْ رأسه، وتَأكُل فتاتَ جسدِه الكلاب، لما كنّا هنا. لما سرنا ليلًا بحاله، مشيًا على الخيبات، حتّى نصل… ويا ليتنا وصلنا.
*****
نَصبوا لنا خيمًا رثّة، ثمّ قالوا «هاكم، لا يعجبكم شيئا!».
لا أدري من قالَ لهم إنّني أريدُ العيشَ في أراضي الذّلّ هذي. أرجعوني إلى بيتي، ولا أريد منكم كسرة خبز.
لكنّ أحدًا لا يسمعني. أحدٌ لا يريدُ أن يسمعَني… أساسًا من يريد سماع «لاجئ»؟
«ها نحن وصلنا. أرأيت؟».
«مخطئة يا أمي. نحن لم ولن نصل».
بيتُنا الجديدُ صار هنا. خيمةٌ تحتاج إلى خيمةٍ لتقيها صقيعَ الشّمس ولهيبَ المطر.
هنا. إلى جانب أطفالٍ غطّتهم أوساخ المكان والزّمان.
هنا. حيث لا ماء إلّا ذلك الّذي ينزل من السّماء، كوابلٍ من قصفٍ أعمى.
هنا. حيث لا طبيب إلّا ليعلن خبرًا واحدًا «الله يرحمه».
هنا. حيث لا مدارس إلّا لنضرب ونشتم من قِبل معلّمين بائسين.
هنا صار بيتنا الجديد. حيث تكون رقمًا بين أوراقٍ كثيرةٍ منمّقة.
كيف أهربُ من هذا؟
أركض؟ أهرول؟ أمشي؟
صدّقوني. أنا أمشي لكنّني لا أصل.
بيروت 2019
رأي واحد حول “أمشي لكنّني لا أصل”