
نُشِرَت في 4 كانون الأوّل 2019
استيقظتُ قبل شروق الشّمس بساعةٍ. الدّنيا من حولي غاطسةٌ في عتمةٍ تشبهُ تلك الّتي في داخلي.
أعددتُ فنجان قهوةٍ، أحضرتُ أوراقًا وأقلامًا، وبدأتُ برسمِ خارطة طريقٍ للمقبل من أيّامي. «حياةٌ صحيّةٌ، أفكارٌ إيجابيّةٌ، روحٌ متفائلةٌ، نجاحاتٌ كثيرةٌ في ميادين الحياة المختلفة، و…».
صوتٌ نكزَ هدوءَ الفجرِ… اقتحمَ أفكاري وبعثرَها.
إنّها ذبابةٌ! ذبابةٌ حسنةُ الصّوتِ، لبقةُ الهندامِ، تحملُ في يدِها حقيبةً حمراءَ لمّاعةً.
دَخَلَتِ الذّبابةُ من نافذةِ غرفتي. استقرّتْ على كلمةِ «إيجابيّة»، وراحت تتحدّثُ بصوتٍ حلوٍ.
«أحبّي نفسَكِ أوّلًا».
انتقلتْ إلى «الحياة»، أمْعَنَتِ التّفكيرَ في الكلمةِ، ثمَّ قالتْ بصوتِها الحلوِ نفسِهِ: «السّعادةُ موجودةٌ في كلّ شيءٍ».
هممتُ بالتّرحيبِ بها، لكنّها توجّهتْ نحوَ النّافذةِ… رفرفتْ، وطارتْ بعيدًا.
قمتُ على الفور وصحتُ «إلى أين، تعالي، لا تذهبي»، كرّرتُ صيحتي، كرّرتُها مرّة، مرّتين، ثلاث… مئة، وربّما مليون… كرّرتها… كرّرتها كثيرًا.
لقد تركتْني كما تركني الجميعُ… تركتْني كما تركتُ أنا نفسي.
*****
هرعتُ إلى الشّارعِ أبحثُ عنها. جلستُ على الرّصيف أفكّرُ. أين أجدها؟
سمعتُ نقيقًا قربي. اقتربتُ من مصدرِ الصّوتِ وسألتُ: «يا ضفدع، أرأيتَ ذبابةً تحملُ في يدها حقيبةً حمراءَ لمّاعةً؟».
تجاهلَ ذلكَ الكائنُ الأخضرُ سؤالي.
صرختُ في وجهه «يا آكل الذّباب… أنت أكلْتَها؟! كانت ستساعدُني لأصبحَ إنسانًا سعيدًا».
قال لي: «أحدٌ لا يساعدُ أحدًا».
علا بكائي: «أنت كريهٌ… كريهٌ… كـ…».
غادرَ الرّصيفَ وتركني وحيدةً!
تركني كما تركني الجميعُ… تركني كما تركتْني الذّبابةُ… تركني كما تركتُ أنا نفسي…
*****
اخترقَ سكونَ الشّارعِ رجلٌ نحيلٌ يسيرُ ببطءٍ. لحِقتُ به وناديتُه. رجوتُه أن يقفَ. توقّف، وبرم ناحيتي صامتًا مترقّبًا.
سألتُه: «الذّبابة ضاعتْ، تلك الّتي تحملُ حقيبةً حمراءَ لمّاعةً. هل رأيتَها؟».
هزّ برأسِهِ نفيًا. نقّ نقيقًا مزعجًا، ثمَّ أكملَ طريقَهُ.
من جديدٍ، بقيتُ وحيدةً. تركني كما تركني الجميعُ… تركني كما تركتْني الذّبابةُ… تركني كما تركني الضّفدعُ… تركني كما تركتُ أنا نفسي…
*****
عدتُ إلى الرَّصيفِ وسألتُه: «ماذا أفعلُ يا رصيف. أخبرْني… قلْ لي إنّك رأيتَها».
أجابني الرَّصيفُ: «انسي الذّبابةَ… ألقي نظرةً على نفسِكِ، وأخبريني كيف وجدتِها».
وقبل أن أجيبَهُ، لملمَ نفسَه وغادرَ. غادرَ الرّصيفُ الرّصيفَ.
غادرَ وتركني كما تركني الجميعُ… تركني كما تركتْني الذّبابةُ… تركني كما تركني الضّفدعُ… تركني كما تركتُ أنا نفسي…
*****
حمل هواءُ الصّباحِ الباكرِ صوتَ الرّصيفِ إليّ: «جاوبي… كيف وجدتِها؟».
كيف وجدتُها؟
حدّقتُ إليها… حدّقتُ إلى رثاثتِها الّتي تشقّ القلب. يا لها مِنْ تعيسةٍ بائسةٍ!
اسمعْ يا رصيف ما أقولُ… اسمعْ جيّدًا.
نعم، أنا أعترفُ… لقد تركتُها تتيهُ في أزقّةِ هذه الحياةِ وشوارعِها. تركتُ الشّقاءَ يلهو بملامحِ وجهِها الطّفوليّ البريء.
أهملتُها أنا. أنا أهملتُ نفسي. أعترفُ بذلك!
أتراها تسامحُني إنْ أنا أشفقتُ عليها؟ أيمكنُني أن أحرّرَها من سجنِ عذاباتِها؟ هل يمكنُني أن أساعدَها لتصيرَ سعيدةً؟
نعمْ، يمكنُني… يمكنُني أن أنقذَ نفسي… يمكنُني أن أفعلَ ذلك… أنا فقط من يُمكِنُهُ ذلك…